المغرب الجديد!

18/08/2015 - 22:56
المغرب الجديد!

قهقه الرجل بِصَوتٍ مَسْمُوع قائلا:

– ابن الجيران طلب مساعدتي في حملته الانتخابية!

تفرست في الضاحك مليّا، فقد اعتدت أن أستنجد به في كل الأعمال اليدوي، فهو ليس له عمل محدد، ولم يدخل إلى المدارس أبدا، ثم قلت:

– وماذا كان ردّك؟

– طلبت منه جلسة عمل، نحدد فيها سقف الاعتمادات الواجب صرفها لأبناء الحي الذين سيقومون بالحملة لفائدته، وكذا لمن سوف يصوتون له، فالانتخابات عيد كالأعياد الدينية والوطنية تُدْخِل علينا البهجة والحُبُور، وللأسف، وعدني الرجل ولم يف بوعده.

أبديت دهشة مفتعلة:

– لماذا؟

– الرجل أحمق، اقترحت عليه ألا يترشح باسم الحزب الذي حظي تزكيته، لَنْ يَسْتَطِيعَ أن يواجه أمناء سوق الخضر والحدادة والنجارة الذين يستعمرون المكان طيلة السنة، ويؤدون بدعم من مُسَخِرِيهِم كل ما لا يمكن تصوره لتربية الكائنات الانتخابية. نزاعات الشغل وحوادثها يؤدون لضحاياها التعويضات قبل أن تبت فيها المحاكم، للأسف الشديد، لم يستجب الرجل لطلبي قائلا إنه لا يملك سوى مصاريف الملصقات، ووعدني بأن يحقق لي ولأبناء الحي ما نريد في موسم الانتخابات الجماعية عن طريق الأمين العام للجهة التي يمثلها، فأجبته بصراحة: «اسمع، أنا لا أضمن حياتي إلاّ في هذه الساعة، فبالأحرى إلى شهر شتنبر. الأنصار معسرون.. هم مجازون بلا عمل، أرباب أسر بدون دخل، أميون عجائز، متسولون، مرضى، هم ينتظرون هلال الانتخابات بفارغ الصبر، قد لا تتوفر لمعظمهم البطائق الوطنية لكنهم حريصون على الحصول على البطائق الانتخابية!».

سكت عن الكلام، وقبل أن يتناول المطرقة لاستئناف العمل سألته:

– وماذا كانت النتيجة؟

– محسومة منذ البداية، احتل الصف الأخير. الحمد لله أنه لم يضيع ماله؟

– ألا ترى أن مثل هذا الذي تقومون به لا يخدم مصالحكم.

قهقه مجددا وصاح:

– اسمع يا سيدي، نحن الطبقة المسحوقة الشغيلة العاملة، تعرف جيدا من أين تأكل لحم مصالحها. كل ما يَرِدُ لَكَ على بال من مبادرات اجتماعية نحن أطراف فيها:

صناديق التكافل، الجمعيات الخيرية، موائد الرحمن، أكباش العيد، ومهما اشترط المشترطون علينا من قيود للاستفادة نوفرها في الحين، نطلق أزواجنا صوريا إذا طلب منا ذلك للحصول على التعويض، وقد يَقْتُل بعضنا بعضا ليصبح أرمل أو أرملة للهدف ذاته. نتسول، نتوسط، وعند حلول المساء نفترش مائدة الطعام المجاني من بقايا المطاعم، وتحصي العائلة مدخول التسول اليومي، بل نحن شركاء نشطون في العقار، لنا طرق خاصة في الاستفادة والتفويت. عُمْومًا أقول لك بالدارجة: «المعقول عندنا ما خدامش»، نحن نعيش اللحظة تلو أختها، ولا نستمع للمخططين، فهم كاذبون!

افتعلت غضبة ثم قلت:

– ألم تسمع بالدستور الجديد، بالجزاءات المترتبة على الجرائم الانتخابية، بما ينبغي أن يكون عليه المغرب الجديد؟!

أجاب ساخرا:

– نحن أصحاب «هَاكْ وَارَى»، اليوم مثل الأمس مثل الغد، لا جديد.

انتهى الرجل من عمله، تسلم أجرته وقال:

– «غَادِي إلى لاَ بْلاَج»، هناك سهرة مجانية بمناسبة نجاح فلان في الانتخابات، الحي بكامله حاضر، «النَّشَاطْ أخَايْ».

ارتمى داخل سيارة أجرة كبيرة، من خلاله شاهدت نماذج له متكررة في مختلف ربوع بلادي، أحسست ساعتها بأن العجلة توقفت أو أنها لم تتحرك أبدا. عادت بي الذاكرة إلى السبعينات: طفل أصِيحُ مع الأطفال: «الصَفْرَا في جْوَاها، وَفُلان مُولاَهَا»، ومكبر الصوت يبشر الناس بمغرب جديد، هو الذي أراه وأسمعه وأقرأ عنه الآن، وقال صوت من داخلي:

المُرَشَحُونَ يَتْبَعُهُمُ الغَاوُونَ، أَلمْ تَرَ أنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولونَ مَا لاَ يَفْعَلونَ. فيرد علي الصدى: كَذِبَ المُرَشّحُونَ وَلَوْ صَدَقوا!

شارك المقال