الجمهور!

01/09/2015 - 22:27
الجمهور!

برر الكاتب الصحافي أحمد بهاء الدين مقاطعته لأحد أصدقائه قائلا:

ـ أنت لا تريدني صَدِيقاً، بل تريدني جُمْهُوراً !

هذه وصفة سحرية تسيل اللعاب، وتدفع بالآخِدينَ بها إلى انتقاء من يصطفون إلى جانبهم منتصرين مؤيدين في جميع الأحوال، وهي في ذات الوقت آفة تعزز مَرْكَزَنَا المتخلف عَنْ ركب المشي السليم.

يريدك صديقك حَمَلاً وديعا طيعا، تأتمر بأوامره، وتلبي رغباته، فاعلا معنويا، أو تكملة نِصَابٍ، كي تحْظى بحضانته ورعايته، فلا تشب عن الطوق ذي فكرة ورأي!

تستهويه انحناءة ظهرك، وطأطأة رأسك، ولا مبالاتك بما يضرك، وحرصك على رضاه، وتحقيق مبتغاه. فيلذ له استعبادك، واحتلالك، فيفعل بك ما يشاء لما يشاء!

يقف بك على كرسي الجمهور مباركا خُطوَاتِه مُهَلّلاَ فتوحاته، رافعا عقيرتك بالنباح والصفير على خصومه ولو كانوا أصحاب حق، فقد فسر قوْلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» كَمَا يَلَذُّ لَهُ.

لن تتْعَب متى شئت الحصول على نماذِجَ لهذه الأورام المرضية المزمنة التي لا تفارق سلوكنا!

وأذكر أن أحد وزراء العدل التقدميين أجابني لمَّا أهديته كِتَابي تَحْت عنوان «قاضي التنفيذ» قائلا:

ـ أنت تَكتب وتَنتقد كثيرا.

وهو ذات الوزير الذي أحاط به حَاشِيَةً من أشباهه فعاث فسادا كبيرا، ولو امتلك ضحاياه من القضاة جرأة البوح لأعادوه من قبره وحاكموه كما حاكم القدامى موتاهم، وقد صرخ في وجهه أحد كبار القضاة قائلا:

ـ سَيطرَأ لَكَ ما طرأ لهتلر الذي وزع فوهات مدافعه في كل ناحية، فسقطت جياده على أبواب المدن!

وشبيه بهذا الوزير لاعبون آخرون يُقلدونَ من لهم عليهم سلطة وظيفية ما طبلا ومزمارا ومِبْخَرَةً كي يسيروا أمامهم تحت طائلة التهديد والوعيد، وسياسة العصا والجزرة!

نجح العاملون بهذه السياسة في تكوين جيل داجن تعلم كيف يداعب الغرور والغَلَظَةَ والاستئساد ليستخرج مِنْهَا حَبّا ونباتا يطعم بها نزواته وغرائزه!

وتحول المشهد في حياتنا العلمية والوظيفية إلى شُلَّة الندماء ولاعبي الورق يحيط بهم جمهور يرتدي أقمصتهم ويلهج بجليل أعمالهم.

أصاب الصحافي الكبير أحمد بهاء الدين عندما قاطع كائنا انتهازيا، ولم تقف صراحته عند حدود التضحية بصديق له، فعندما سأله الرئيس أنور السادات في مجلس علني عائلي قائلا:

ـ كيف ترى حال البلاد، يا بهاء.

ردّ الرجل على الفور:

ـ سيئة، الناس جد متعبة.

وقد نال الكاتب جزاء ما قاله عقابا، لكنه نال بعقولنا وقلوبنا مرتبة الشرف الرفيع: فالمفكرون والعلماء والأدباء معالم في الطريق وليسوا جمهورا على حافتها!

شارك المقال