رسالة استغاثة

07/09/2015 - 13:29

طفت على سطح الذاكرة قبل أيام تلك الجمعة، التي تبدو بعيدة وقريبة في الآن ذاته.. تلك الجمعة التي وافقت- يا للصدفة- 4 شتنبر، ولكن من سنة 1992. وتذكرت السحنة الداكنة لذلك العون، وعاد إلى ذهني المشهد الصمت لأصابعه وهي تضغط على ورقة «لا» الزرقاء في محاولة لمنعي من أخذها، بينما يدفع نحو ورقة «نعم» البيضاء. قاومت تلك الأصابع وانتزعت الورقة الزرقاء، ورددت على نظراته غير الودية بنظرة ملأتها بما استطعت من التحدي مشفوعة بمشروع ابتسامة شامتة، وأسرعت الخطى نحو ذلك المعزل المهترئ حيث وضعت في الظرف الأصفر ورقتي الزرقاء بحماس من أنجزا فتحا نادرا، ودسست «نعم» عميقا في الجيب الخلفي لسروالي، ثم توجهت إلى الصندوق ورميت الظرف وغادرت بمشاعر من حقق نصرا كبيرا: قلت «لا» لدستور الحسن الثاني. وفضلت، بكل حماسي الفطري، المشاركة في التصويت بدل المقاطعة التي دعا إليها التنظيم السياسي الذي كنت أعتبره مدافعا عن أحلامي: الديمقراطية والعيش الكريم.

كانت تلك الورقة الزرقاء هي صوتي المخنوق في صدري.. صرختي المعتقلة هنا في حلقي. كنت أريد أن أتحدى خوفي وأقول «لا» ولو من خلف ذلك الستار الأسود، وفعلا فعلت.

ومنذ تلك الجمعة، حاولت المواظبة، قدر ما سمحت به الظروف والكدمات النفسية، على التصويت. في البداية بحماس كما حصل في الانتخابات التشريعية لـ1993، وكذلك في 1997، ثم بعد ذلك، بما تبقى في الصدر من مقاومة لضربات الخيبة واليأس، في الانتخابات المتوالية، تشريعية كانت أو محلية. هذا كله لسبب واحد: إيماني الخرافي بأن صوتي هو سلاحي الوحيد، أنا الذي لا يحب الأسلحة الأخرى بكل أنواعها..

هو حجري الذي أقذف به في وجه ذلك الشيطان الذي يسميه المفكر عبد الله العروي «الأمية» التي «تعرقل بلورة الوعي بالمواطنة وما تستلزمه من اعتزاز بالنفس واستقلال الرأي والتحرر من عقال الأسرة والعشيرة والقبيلة»..

هو تلك الفسحة الزمنية المنفلتة والمتلاشية التي أحس فيها، أو أُوهم نفسي، أنني فرد كامل محدد المعالم له سلطة في تدبير شؤون «المدينة»، ومصدر شرعية لمن يتولون هذه الشؤون، وليس مجرد كائن مبهم في جماعة يدبر أصحابها شؤون خيمته مستندين إلى شرعية سماوية.

لا أخفيك، أنني أجد نفسي اليوم معلقا بين إيماني الخرافي بجدوى هذا السلاح، وبمعرفتي بواقع المرشحين لانتخابات اليوم.. حائرا بين إيماني بأن النظام الديمقراطي القائم على التصويت السليم هو أحسن وصفة اخترعتها البشرية لتدبير شؤونها المعقدة والمتحولة دوما، رغم مساوئه الكثيرة من جهة، والحجم الهائل لهذه المساوئ عندنا التي تحيل تلك الوصفة إلى قطعة قماش رثة ونتنة، من جهة أخرى.

أجدني ممزقا بين أوهامي الدافئة التي تهمس لي بأن صوتي سلاح فتاك، وبين خيبة أملي من الهيأة السياسية التي كنت أعتبرها حصاني العملاق للتسلل إلى طروادة الاستبداد، وملء صحرائها بما تيسر من أشجار الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.

لكن، كعادتي، سأنحاز لأوهامي الدافئة، لأنني لا أملك غيرها، وسأرتشف قهوتي هذا الصباح، ثم أتسلح بما تبقى هناك في قرار الصدر من إصرار، وأحمل في كفي نفسي الهشة التي هدَّتها الكدمات والخيبات. سأتوجه إلى ذلك المعزل المرتجل، وقد أطيل الوقت هناك على الأقل، لأتخيل أنني صاحب سلطة ومصدر شرعية، ثم أرمي بورقتي في الصندوق الزجاجي كمن يرمي قارورة بها رسالة استغاثة في بحر هائج، على أمل أن يلتقطها أحد ما.. يوما ما…

شارك المقال