اقتنيت قصة «تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم سنة بعد صدورها رغم منعها، أي عام 1967، وأنا طالب في كلية الآداب. كانت رائحة القمع في ذلك الزمن قد بدأت تفوح منذ أن اختطف الشهيد المهدي بن بركة من أمام مقهى ليب، في شارع سان جرمان بباريس نهاية أكتوبر 1965.
ومنذ ذلك التاريخ، انخرطنا نحن أبناء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وقتها برئاسة محمد الحلوي، في مواجهة مدّ القمع والعفونة السياسية الصاعدتين، وفي تجرّع مرارة هزيمة يونيو1967، تحطمت على صخرتها بدايات أمل أحلامنا وطموحاتنا القومية. منذ ذلك التاريخ ـ وقبله بكل تأكيد ـ كانت النخبة المغربية، السياسية والثقافية والإعلامية، منشطرة إلى فريقين: واحد عروبي مشرقي بتركيبات شتى، ألم تكن القاهرة مركزا للحركة الوطنية، ومنفى للخطابي وعلال الفاسي وبن بركة أيضا. وفريقٌ ثانٍ غربي، فرنكفوني، وإن غير منسجم، مركزه ومرجعيته في كل شيء تقريبا باريس، المتروبول، المستعمر السابق والجديد وموئل حقوق الإنسان، عين لا تنام تسهر على مصالحها في المستعمرة السابقة، ومنها مراقبة النخبة الناشئة بوسائل شتى، منها الوسائط التعليمية والإعلامية.
وكانت باريس تعتبر عند المخزن (وبطانته)، الواصل إلى الاستقلال في قماط من خيوطها، وتبقى الأم الرؤوم لا بد من حيازة رضاها في كل خطوة، واستمرار حدبها على أبناء (ذوي مزاج ونزوات، خاصة نَهَم شديد للثروة وسياسة العباد بحد القمع والاستبداد)، وقد استطاع هؤلاء الأبناء خلال سنوات معدودة أن يجعلوا الأم تغض الطرف عن «هفواتهم» بمقابل، وأن ينجحوا هم في إدخالها إلى بيت الطاعة، (وهذا فن مخزني صرف بامتياز!) بوسائل وإغراءات ما أكثرها، واضحة وخفية، سردابية وبهرجية، كنا نعلم بها، وأحيانا هي تنظر إلينا وتخرج في وجهنا لسانها، على طريقة أينشتاين، بصلَف، واستخفاف.
هكذا كان رهط من جامعيي فرنسا، حقوقيين ومؤرخين، وإعلامييها من رؤساء التحرير، وأحيانا حتى من سقط المتاع، يسرحون ويمرحون، يمدون أرجلهم في ما يسمى بـ»الضيافة المغربية» يدفع ثمنها المعوزون والعاطلون المغاربة، لكي يشاهد العالم في التلفزيون مباذل ومساحيق المملكة السعيدة تسيل وهي تزكم الأنوف أحيانا بعطرها في واضحة النهار، وبالمقابل، فإن ضيوفنا الكرام يردون الجميل، يعزفون لنا، في الشرق والغرب، لأسيادهم، وحتى خلال مجالس الأحاديث الرمضانية، يدبّجون المديح ويغنون ما يشنف أسماع حكام المغرب بوصلات شطح وردح ومواويل، فيما كانت دار المقري، و»الكوربيس»، ودرب مولاي الشريف، فتزمامارت، على سبيل المثال فقط، تتجاوب فيها أصداء الصفع واللكم والفتك والهتك، وحتى سفك الدماء في الأشهر الحُرُم، وكل شيء ممنوع حتى البكاء والعويل. أصبح المغرب سوق سمسرة، أذنه في يد النخاس دامية، بالحريِّ دولته، ونحن ننظر مكبلين، تارة، وشاردين طورا، ولا مبالين، إلى فُرجة طالت، ورائحة فاحت، حتى لا مزيد.
قبل أيام انفجرت في باريس «قنبلة» شبه موقوتة، بطلها كما أصبح معلوما ومتداولا صحفيان (إريك لوران، وكاترين غراسيي)، أو بالأحرى كما قال المحامي موريتي، بحق، يحملان بطاقة الصحافة، هما الآن موضع اتهام من طرف السلطات الفرنسية، بتهمة ابتزاز ملك المغرب، للتنازل عن نشر كتاب يعتبرانه مثيرا وفضائحيا (كذا) مقابل مبلغ مالي كبير (رست الصفقة على مليوني أورو من أصل ثلاثة، تسلما منها تسبيقا نقدا عدّا).
تبدو القضية، إعلاميا، شبه متقادمة، علما بأنها في بداياتها، وسيكون لها حتما ما بعدها، ولكنها تحرك أمام الملاحظ عناصر هي الأكثر إثارة إن لم نقل استفزازا فيها، وكلها ذات طبيعة فضائحية، إنما جدير بنا، وبمن تربوا على الرضاع من الحليب الفرنسي خاصة (الطبيعي والمصنع، معا) أن يقفوا عندها بتأنٍّ، من باب التأمل، لعل الله يهدي الجميع سواء السبيل:
1ـ إن القضية اتخذت منذ إعلانها مظهر فضيحة وقنبلة إعلامية من طراز مثير. 2ـ إنها تحولت، تابعناها هنا، ساعة بساعة، إلى ما يشبه مسلسلا بوليسيا يملك عناصر إثارته، ويغري بالمزيد. 3ـ إن هذه الفضيحة همّت صحافيين أحدهما إريك لوران، صديق للقصر، بحكم كتابه مع وعن الراحل الحسن الثاني «مذكرات ملك»، ثم منقلب على القصر، بعد كتابه الأخير «الملك المفترس»، يعني به محمد السادس؛ وكاترين غراسيي، الصحافية التي بنت سمعتها على طهرانية و»نضالية» سياسية مناهضة لظلم الحكام المستبدين، ابتداء من عملها في موقع «بقشيش»، مرورا بما كتبته تنديدا بدكتاتور تونس بن علي، والقذافي، وليلى طرابلسي، وانتهاء باللحظة التي تسلمت فيها 40 ألف أورو كبقشيش أول مقابل تنازلها المزعوم (كذا). 4ـ إن هذه الفضيحة وضعت المؤسسة الإعلامية الفرنسية، جملة وتفصيلا، في قلب حدث فضائحي غير مسبوق، يمس إن لم نقل يضرب -ولو مبالغة-مصداقيتها في مقتل، لا يَصِحّ التجني على هذه المؤسسة كلها انطلاقا من حدث واحد ومعزول، في الظاهر على الأقل. 5ـ نجَمَ مباشرة عن هذا الإحساس، الإصابةِ القاتلة، أن هذه المؤسسة، وهي لم تتوان عن تغطية الخبر، مادة أساسا لها لإثارتها، أسدلت في البداية ستارا من الريبة والتشكيك حول القضية، باعتبار أفرادها، شبه معصومين عن هذه الأفعال المشينة، فكيف بجرم مفضوح، وتحت مراقبة الشرطة القضائية الفرنسية نفسها، حين تبيّن الخيط الأبيض من الأسود، تشكلت بسرعة جوقة من الندابين والمتشككين، ضمّت صوتها، رغم الحقيقة الصاعقة بتلبس الصحافيين المعنيين، إلى الصوتين المتهمَّين، لا تستطيع تغطية الشمس/الفضيحة بغربال، لكنها حاولت مؤازرة دفوع محاميهما ومناورته ـ وهذه مهمته، طبعا ـ بحثا من الآن عن ظروف التخفيف، وسعيا منهم إلى ترقيع غشاء بكارة طال الاحتفاظ والحفاظ عليها زعما للمؤسسة.
الحق لم أر منذ أن وطأت قدماي الأرض الفرنسية، واختلطت بالأجواء الباريسية، الجامعية والثقافية والإعلامية؛ (لم أر) مثلها صفاقة ولا بهتانا، ومحاولة سفسطة وقلب للحقائق والوقائع في نازلة من هذا الحجم، من قِبل بعض، لا كل، الصحافيين الذين ظهروا مستعدين للتخلي عن أخلاقيات المهنة، والإنصاف، والحقيقة، التي يتشدقون بها صباح مساء وهم يقدمون الدروس للبشرية جمعاء، وخاصة لأبناء البلدان المحقورة، التي تعلموا فيها الحجامة طويلا، والابتزاز بأنواع، وإذ ظهر أن بلغ السيل الزبى، و»الخبزة» ستطير منهم، ها هي قيامتهم تقوم!
فعلا، تظهر هنا ساحة مواجهة، ومنازلة أكثر من قانونية، فللقانون محققون ومختصون سيتكفلون به، وإنما هي أخلاقية، ورمزية، بالدرجة الأولى، يتصدرها أفراد وأوساط طالما اعتبروا الحديث عن حقوق الإنسان، والعدالة، والديموقراطية، ومحاربة أشكال كل الفساد والرشوة من اختصاصهم، ظهرت فيها مدارس رأي ومحاكم أخلاق ومحاكمات لرؤساء الدول وضمائر الحكام، وباتت وصية على ضمائرهم، رقيبا منتظما لمساطر وعمل الحكومات، بل والرأي العام الوطني في هذا البلد أو ذاك من بلدان المتروبول الاستعماري السابق، وما ينبغي التشكيك في قولهم، ولا تعريض حجتهم للشك أو السؤال.
فهم بيضٌ كالنجوم، طاهرون، مصقولون، لم يلمعوا صورة الدكتاتور في غير بلد، ولا لعقوا حذاءه، وتسولوا أعطياته، وأطلقوا البخور بعشرات الكتب والمقالات والتحقيقات، ولهم ملحقات في الفنادق الفخمة رفقة عشيقات، وحتى عشاق، وتحويلات -أجانب وعرب، طبعا- إلى حسابات، لا تخلو منهم مناسبة وطنية، ولا مهرجان فولكلور وسينما -دائما أبقى مبهوتا، مثلا، إذ أراهم الأوائل في مهرجان كناوة بالصويرة، والموسيقى الروحية بفاس (مثلا)، لم أستطع إليهما سبيلا يوما، وأكاد أنفجر غيظا وأنا أسمعهم في المجالس الباريسية وأبهاء المطارات يتبجحون بزيارة المغرب، بأفخم الدعوات من أعلى الجهات، ناقمين وشامتين وشاتمين للملة بعد أكل الغلة. فهذا أريك لوران، مثلا، ولنفرض جدلا أن محامي الملك هو من ساومه، ألم يفكر ويستنكر ضميره أن الملايين التي سيبيع بها هذا الضمير، ومعه قلمه، ومهنته، والقيم التي حولته من قنٍّ، محضي، مخصي، إلى حر، فحل، هي من مال ملك كال له بالأمس القريب أقذع الشتائم، واتهمه بكل نعوت التبكيت من أجل حفنة ملايين الأوروات، بالضبط!
إنما، ليست هي مدرسة «نفايات» باريس وحدها، وما يجتمع الذباب والبعوض أو يتكالب على الورود، ولذلك أهم من مطاردة البعوض بأي نوع ناجع من المبيدات، الأنجع هو تجفيف منابعه ومصادره، وأخذ العبرة، لا بستر العورة، ولكن بالكساء الحقيقي، والدرع الواقي من عائلات المتحرشين والمبتزين والمساومين، وبقدر ما اغتبطت لوقوع هؤلاء النصابين بوزر عملهم الشنيع، لا أحب أن أعطي الدروس لأحد، ويؤلمني أن أرى أمثالهم ينظرون إلى المغرب الظهر المنحني والحائط القصير، القابل لأمر ما يغري بالابتزاز، وكأنه فضيحة متنقلة، خفية، قابلة للمتاجرة، للتستر عليها، أو المساومة بها من لدن من جعلوا من سمعته رأس مال تجاري، ملكا، ورموزا سياسية، ونخبا، وشعبا أيضا، وهم من الوسط الإعلامي وخارجه، من وراء الحدود، وداخلها كذلك، هذه الأرضة، وفئران سد مأرب، سلالة المتعيشين على الهبات، وحتى الفُتات، يبيعون أقلامهم لأول شارـ كفى!
أديب