جريمة الحرم من المسؤول عنها البشر ام سوء الأحوال الجوية

12/09/2015 - 17:07
جريمة الحرم من المسؤول عنها البشر ام سوء الأحوال الجوية

عصام واعيس*

إن ما حدث في الحرم  جريمة مكتملة الأركان. لا ينفع تعليقها على القدر إلا من كان لا يفهم معنى القضاء والقدر. بالله عليكم، كيف تستمر أشغال التوسعة والآليات الضخمة العملاقة في موسم الحج. كيف تبقى هذه الرافعات الخطرة والضخمة منتصبة فوق رؤوس الحجاج وأغلبهم شيوخ ونساء ، أمهات وأجداد وآباء وأحباب وقصص وأفراح وأتراح وحكايات إنسانية آسرة تمشي على قدمين تذكر الله وتبتهل، هلاكهم تحت قضبان حديد متفكك يزيد الألم ويدمي الفؤاد.

إن وجود آليات حتى ولو كانت متوقفة عن العمل أصغر من تلك التي نقلتها لنا وسائل الإعلام بمكة، (إن وجودها) بشارع أو حي يجعل السلطات، في الدول التي تحترم نفسها ومواطنيها وزوّارها، تضع شريطا فاصلا للمنطقة أو تغلقها بالكامل خوفا على سلامة المارة، فما بالك بحجاج أول بيت وضع للناس. رجال ونساء يعيش الحرم، بهالة من الإكبار والتقديس والتعظيم والأشواق، في أرواحهم، فأحبّوا أن يعيشوا فيه حينا من الدهر ، آمنين سالمين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، لا أن تحطمهم رافعة حديدية ثقيلة عُلّق سقوطها على مشجب ريح عاصف.

إن النظام السعودي يتحمل المسؤولية كاملة عن دماء ما يزيد عن المائة شهيدا وشهيدة ومائتي مصاب ومصابة في سقوط رافعة البناء بالساحة الشرقية من الحرم المكي. أما أن ريحا عاصفة تسببت في الحادث فذلك قمة التنصل من المسؤولية وتلبيس الحقائق ، أن تلقى اللائمة على تقلبات الطبيعة !  ألا توجد هيئة أرصاد جوية بالسعودية؟؟ وما دور هذه الهيئة غير  الإنذار المبكر؟؟  وفي حال كانت « الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة » ، وهو اسم جهاز الأرصاد بالمملكة، قامت بدورها في الإخطار  فمن يتحمل مسؤولية عدم إخلاء الحرم؟ إما من البشر أو من الرافعات؟.

ومن المؤسف، أن يتم ربط سقوط رافعة البناء بسوء الأحوال الجوية والتغاضي عن  فتح السؤال حول الإنذار المبكر بسوء هذه الأحوال !  « لا وجود لأحوال جوية سيئة » تؤكد كاثرين لا بورد، الكاتبة الفرنسية ومقدمة أحوال الطقس سابقا بقناة « تي إف 1 » ، في عنوان كتابها، « المشكل في البشر ».

وقد وصار اليوم أمرا معلوما ومعمولا به في فنون البنيان والهندسة المعمارية أن يكون مكان تثبيت الآليات والناقلات والرافعات العملاقة ومدى ارتفاعها وحركتها ودورانها وممرات نقل المعدات وسط أوراش البناء تحت توجيه صارم وتأطير لصيق من  خبراء السلامة وبتنسيق تام معهم حسب تقلب العوامل والمعطيات التقنية والمناخية. يكفي أن يشاهد المرء برامج قناة الجمعية الجغرافية الأمريكية « ناشيونال جيوغرافيك » ليعرف أن الأمر ليس أعجوبة c’est pas sorcier !

ربما أتحدث عن مأساة الحرم بحرارة عالية، فكم ابتهلت الله وقلبي يرفرف من شدة الخوف ووجيبه يعلو ويضطرم أن يحفظ أمي ، التي ذهبت للحج وتوجد في الحرم، من كل سوء. ردّت أمي على اتصالي وطمأنتني على حالها فحمدت الله أن نجّاها، لكنّها تألمت للحادث كثيرا. وقالت لي « با بُني لا تخف. لا يكون إلا ما كتّب الله. تصوّر أني كنت هناك البارحة، وكنت ألمح تلك الرافعات، بل كنا نجلس في خط متواز معها تماما وهي فوقنا. لكنها أقدار الله ». نوافذ وإطارات خشبية بالفندق الذي تنزل فيه أمي طارت مع الريح الشديدة، هذا ما سمعت قائد مجموعتها يحكيه. أتصور أن كثيرين في مختلف أقطار العالم فعلوا مثلي، لكني لا أعرف إن كانوا جميعا سمعوا أصوات أحبتهم ترد عليهم من الجانب الآخر للهاتف..

وهناك أمر آخر، رأي شخصي لا يتشاطره معي كثير من الأصدقاء « العقلاء »،  فأنا لا أرى في أشغال التوسعة الغاية النبيلة المعلنة فقط، أرى فيها انتكاسة مضمرة تعوض القيمة بالمظهر، والإيمان بالرسم، والابتهال بالرخام. لماذا كل هذا التهافت على العمران والتوسعة والمد والطلاء والزخرف والترصيف والتزيين والبذخ في بناء بيت الله الحرام؟؟ حتى صار الناس ينبهرون بالبنيان والزينة أكثر من ابنهارهم بالمعاني والشعائر..وصار العائدون يتحدثون عن رخام البيت وستائر مكة الذهبية وفنادق الحرم 5 نجوم، أكثر من حديثهم عن لقائهم بالله في أرضه…

دماء الحرم في رقابكم !

* صحافي وكاتب رأي

شارك المقال