عَرَضَ الرئيس أنور السادات على المفكر الدكتور مصطفى محمود مَنْصِبَ وزير، فاعتذر قائلا: «أنا فَشلت في إدارة أصغر مؤسسة وهي أسرتي.. فأنا مطلق لمرتين، فكيف لي أن أُدير وزارة كاملة».
أما زميلي قاضي الأسْرة فقد أبدى أسفه العميق وهو يتساءل: في الوقت
الذي أسعى فيه إلى إجراء صلح بين موظف سام وبين زوجته وأولاده، يسلك الزوج كل سبيل مباشر وغير مباشر لهدم بيت الأسرة على من فيه بدون ذنب جنوه. كيف يقوى مثل هذا المسؤول الكبير على تدبير الشأن العام لبلاده وهو على هذه الحال!
صدق صاحبي، فقد أقمنا خطاً متوازيا بين ما نُنَادِي به وما نطبقه عمليا، وامتلكنا من الدهاء والمكر والقوة ثقافة ورصيدا نستحق به أُوْسَكَار التمثيل البارع، فبطريق الدهاء والخداع نوحي لمن حولنا أننا على سُلوكِهِم إيمَانًا وتقْوى والتزاما، وقد فوجئ إطار متزن بِمن يشكو إليه تَعَبَ اليوم قائلا: مُنْذ صلاة الفجر إلى هذه الساعة المتأخرة من الليل وأنا أعمل، فابتسم الرجل الذي يعرف أين يقضي المشتكى لياليه !
وبطريق القوة، وباستغلال النفوذ نحرم الكفاءات من استحقاقاتهم ظلما وعدوانا، وقد بكى أب على مصير ولده المريض نفسياً وهو يقول: ما كان على وَلَدي أن يحصل على الدرجة الأولى في تخصصه، كان بإمكان الإدارة أن تمنحه درجة المتوسط، أما أن يَحْصُلَ عليها ويخرج من بعثة دراسية ويفوز بها ابن الإطار السامي فلان، فهذا هو منتهى الظلم.
يا للوقاحة، يقول صديقي الفنان: اعتذر أحد أعضاء الفرقة المسرحية عن عدم حضوره مبررا ذلك بالقول:
«ربي كبير، في طريقي إلى منزلي بالأمس، دعاني أحدهم إلى حفْلٍ ساهر. رزق من الله، أكل وشرب اختلط فيه الحلال بالحرام، الحمد لله، لذلك تعذر عليّ الحضور».
عندما أراد أحدهم أن يتصدق على الجامع بما هو ضروري للبيت قال له قائل: ما يصلح للبيت يَحْرُمُ على الجامع، فمن ينشر العدل بين الناس دَعْوَةً نَظَرِيَّةً صرفة وهو ظالم في معظم أنحاء سلوكه، لن يفيد في العمل العام شيئا. ومن ينشر الثقافة والعلم والأدب مواسم وليَالي ومهرجانات وهو ماجن لاَهٍ، لن يفيد في العمل العام شيئاً !
ومن ينادي بترشيد النفقات وتأهيل الاقتصاد وهو سَفِيهٌ مُبَذِّرٌ، لا ينفع في العمل العام شيْئا.
من يباهي بنظريات مُثلى، ويضع الكف على الذقن مفكراً، ويخفي خلاف ذلك، اعْتِقَاداً منه أن حِيلهُ تنْطلي على الغير هُو كَمْن يحرث في الماء!
فقد لمس سلطان حكيم في بعض مناوئيه نزوة الاستِوزَار، فأوحى لِمَنْ همس في آذانهم بقَبُول الإيجاب الضمني، وجلسوا بقاعة الانتظار بجلابيبهم وبنعالهم الصفراء يوما كاملا، لِيُطِلَّ عليهم خادم السلطان مُصَفِّقا بيديه: «يَا الله اللي جَانَا يجِيه الخِير.. مَا كَايْنَة وِزَارة».
كاميرا خفية حقيقية لمن يحترفون المعارضة كلاما أجوف، أولئك الذين قال عَنْهُم نجِيبْ محفوظ: «يكتبون عن الاشتراكية ويحلمون بالرأسمالية». رفض الكاتب مصطفى محمود منصب وزير لأنه عجز عن إدارة أسرة صغيرة، ونحن نتهافت على المناصب ليل نهار!