الاستقالة هي الحل

30/09/2015 - 02:54
الاستقالة هي الحل

لقد استغربت كثيرا لما ورد في البيان الأخير الذي أصدره «الشخص» الذي يحتل حزب الاتحاد الاشتراكي، والذي يدَّعي أنه صادر عن «المكتب السياسي» الذي اجتمع بعشرة أعضاء من أصل حوالي أربعين عضوا. ويعود ذلك إلى أنني لم أستطع أن أصدِّق ما ورد في هذا البيان من مبررات لأسباب الهزيمة النكراء التي تسبب فيها هذا الرجل لهذا الحزب في الانتخابات الجماعية الأخيرة. فقد ذهب هذا الأخير إلى حدِّ تحميل المسؤولية لـ «المعارضة»و»الحكومة»، وإلى ظاهرة الترحال من الاتحاد الاشتراكي إلى أحزاب أخرى، وذلك للبقاء على رأس الحزب.
لقد حصل الاتحاد الاشتراكي في هذه الانتخابات على 3226 مقعدا في الجماعات المحلية في سنة 2009، وحصل في سنة 2015 على 2656 مقعدا، حيث ضاعت منه 570 مقعدا. لكن الاكتفاء بهذه الأرقام لا يعكس جسامة الخسارة، إذ يجب ألا ننسى أن عدد المقاعد المتنافَسِ عليها في سنة 2015 يفوق تلك التي تم التباري عليها في سنة 2009 بحوالي 3700 مقعد إضافي. وإذا استحضرنا من هذا العدد الأخير النسبة التي حصل عليها الحزب في سنة 2009، فسنجد أنه فَقَدَ 430 مقعدا من الحصة الإضافية المتنافَس عليها في سنة 2015. لذلك، إذا أضفنا 570 مقعدا إلى 430 مقعدا، يكون الاتحاد الاشتراكي قد خسر حوالي 1000 مقعد.
هكذا، فقد فَقَدَ الحزب ثلث المقاعد التي حصل عليها في سنة 2009، كما ضاع منه ثلث مقاعد الغرف المهنية التي فاز بها في تلك السنة. فضلا عن ذلك، فإن نسبة مهمة من الذين نجحوا في الانتخابات الأخيرة باسمه قد رحلت إلى أحزاب أخرى. وبذلك تكون خسارته مكعبة.
لم تقف الهزيمة عند هذا الحدِّ، إذ خرج الحزب من تدبير المدن الكبرى، ولم يحصل على تدبير أي جهة. ويعني ذلك أنه سيفوز، في أحسن الأحوال، حسب المعطيات الحالية، بمقعد أو مقعدين في مجلس المستشارين، ما يؤشر على استحالة حصوله على نتائج تمكِّنه من تكوين فريق في مجلس النواب المقبل. ويدل خروج الحزب من المدن الكبرى على حدوث تحوّل كبير في تشكيلته الاجتماعية، ما قد يحدث فيه انقلابا فكريا، إذ لا علاقة ثقافية للبادية المغربية بالاشتراكية الديمقراطية، لأن بنياتها الاجتماعية ما تزال في الغالب موغلة في التقليد.
وبغض النظر عن طبيعة العملية السياسية عندنا وما تقتضيه من نقد عميق، فإنه من الحمق أن يصدِّق أحد أقوال هذا الشخص حول «المعارضة» التي لم تعد حليفته، حيث لم يُشرك أحدا في اختيار حلفائه، كما أنه كان فرحا بهم عندما ساعدوه على الوصول إلى قمة الحزب. أضف إلى ذلك أنه كان دوما يشتكي إليهم من أُطر الحزب ومثقفيه، كما أنه كان يطلب منهم مساعدته عليهم كلما حاولوا الانتفاض ضده. وقد تدخل أغلبهم مرارا، كل بأساليبه الخاصة، لضمان استمراره على رأس الحزب. لكن لقد صار معلوما لدى المغاربة أن هذا الرجل يشتغل خارج إطار اختيارات الحزب، ما دفعهم إلى الحكم عليه بالانحراف والتآمر على حزبه والشعب في آن. فماذا جرى له حتى أصبح يحمِّل حلفاءه مسؤولية فشله؟ يبدو أنه لم يعد له ما يفيدهم به، فتخلوا عنه ونبذوه في العراء. وهذا ما جعله لم يستطع التوقف عن البكاء والنحيب خلال إعلان النتائج ليلة 4 شتنبر الماضي.
يعلم الجميع أن هذا الرجل كان يرغب في أن يمدَّه حلفاؤه بالمساعدة وبعض الأعيان حتى يتسنى له الحصول على ما يكفي من المقاعد لـــــ»تسيير» مدينة وجهة واحدتين. لكنني أظن أنه لا يعرف طبيعة الانتخابات في بلادنا ولا الثقافة ولا القيم ولا القوانين التي تحكمها. أضف إلى ذلك أن اللوائح لم تكن مشتركة بين حزبين متحالفين أو أكثر، حيث تقدم كل حزب بلوائحه الخاصة. وبعد إعلان النتائج، بدأ كل واحد يبحث عن حلفائه في «التسيير». وما دام لم يحصل على العتبة في الأغلبية الساحقة من المدن، فقد أَقْصَى نفسه من التحالفات، لأن من يريد التحالف لن يتحالف إلا مع من «حَصل» على «مقاعد» تؤهله لذلك، حيث لا مجال للتسوّل..
أما عن تحميل المسؤولية للحكومة، فهل نسي هذا الشخص أنه قد تحالف هو ذاته مع الحزب الذي «يوجد» على رأسها في الانتخابات الجماعية لسنة 2009؟! وهل قام بنقد عميق وسليم لمرجعية هذا الحزب ولما تنهجه الحكومة من سياسة أَجْهَزَت بها على قوت الشعب المغربي؟ وهل تقدم بمشاريع مفيدة؟ وهل شجع على خوض نضالات اجتماعية دفاعا عن المواطنين؟ ألم يعمل على تفتيت الحقل النقابي في بلادنا؟ كل هذه الملاحظات وغيرها تؤكد أنه كان حليفا موضوعيا للحكومة بوعي منه. وهذا ما جعل الفئات الوسطى تعاقبه انتخابيا وسياسيا وتنظيميا، حيث اكتشفت هي ومناضلو الاتحاد الاشتراكي أنه لا ينتمي إلى هذا الحزب فكرا وممارسة، بل إنه يناهضه ويخربه من الداخل، حيث لم يهدأ له بال حتى شقَّ صفوفه.
أما عن ظاهرة الترحال من الاتحاد الاشتراكي إلى أحزاب أخرى، فينبغي أن يعلم هذا الرجل أن المسؤولية تقع على عاتقه وحده، حيث هناك نوعان من الترحال: أولهما ناجم عن عنف هذا الشخص وابتزازه للبرلمانيين الذين يرفضون مدَّه بما يريد، حيث يهددهم باستمرار بعدم منحهم التزكية في الانتخابات المقبلة، كما أنه لا يكف عن البحث عن أعيان لتعويضهم بهدف الاستفادة منهم شخصيا. وثانيهما أن هناك أعيانا استقدمهم هذا الرجل وتَبَيَّن لهم أن الحزب لم يعد قادرًا على تلبية رغباتهم لأنهم لا يؤمنون بالحزب أصلا، بل يتخذونه غطاء يحتمون به ويضمن لهم المزيد من الاستفادة من الريع. وبالتالي فإن صاحبنا مسؤول عن الترحال، إذ لم يحصد إلا ما زرعه.
علاوة على ذلك، يروج في الأوساط الاتحادية أن الرجل يستعمل منصبه السياسي في تدخلات خاصة اغتنى منها بشكل خرافي غير مشروع. وبذلك لطَّخ سمعة الحزب، ولم يعد هناك من يطيق التعامل معه لأن كل من اقتربوا منه اكتشفوا تآمره وأنانيته، ما أسقطه في عزلة تامة حتى أنه لم يعد مشكلة اتحادية فقط، بل أصبح أيضا مشكلة مجتمعية ووطنية.
لقد وصل العجز بهذا الشخص حتى أنه لم يستطع الترشح في دائرته الانتخابية لأنه يعي جيدا أنه مرفوض هناك، حيث لا يستطيع زيارتها لأن سكانها قد يرجمونه بالحجر لكونه لا يفي بوعوده. أضف إلى ذلك أن غيابه عن الجماعة كان تاما، بل إن كل ما كان يفعله هو التحايل من أجل أن يستفيد منها بشكل غير مشروع. لذلك لم يترشح للانتخابات الأخيرة لأن سقوطه كان سيكون مُدَوِّيا، ما كان سيجبره على تقديم استقالته من مسؤوليته على «رأس» الحزب.
ومن المؤسف كثيرا أن بعض رموز الفساد الذين رشحهم هذا الشخص وكلاء للوائحه في مختلف المدن يتندرون به في الأماكن العمومية ويجهرون بندمهم على الترشح باسمه. والدليل على ذلك أن وكيل لائحته في مدينة بإقليم دُكَّالة يُرَدِّدُ في المقاهي أنه جد نادم على الترشح باسمه، لأنه لم يكن يعلم أن سمعته أسوأ إلى هذه الدرجة! كما أن بعض الفاسدين في مدن أخرى رفضوا أن يشارك في تجمعاتهم الانتخابية، مُعلِّلين ذلك بأن سمعته قد تسيء إليهم!.
لم يمارس هذا الرجل السياسة بمفهومها النبيل، إذ لم يسبق له في حياته أن أنتج فكرة ولا مشروعا، كما أنه لم ينخرط في أية معركة. وإذا فعل ذلك، فلإفشالها ومسخها لأنه يفعل عكس ما يقول، إذ لا همَّ له سوى الاستفادة من الريع، لأنه مستعد أصلا لعرض خدماته على من يدفع له. هكذا لم يعد مفهوم السياسة معه «نبيلا»، بل صار وَسِخاً، فنجح في شلِّ الاتحاد الاشتراكي، ما نجم عنه تجميد أعضائه لنشاطهم السياسي مؤقتا، ليكتشف الجميع ضعف هذا الرجل وعجزه، لأنه لا يمتلك ما يؤهله للاضطلاع بمسؤولياته.
لقد مرَّ معه الاتحاديون بتجربة مؤلمة جراء ممارساته التي لعبت دورا أساسيا في عزوفهم عن العمل السياسي معه، إذ كاد يتسبب في جعل الشعور بالعجز جزءا من ذاكرة المناضلين، حيث اكتشفوا من تجربتهم معه أن تضحياتهم قد مُورست بها تجارة قذرة تحوَّلت على مائدة الاجتماعات السرية إلى حرب على الحزب ومناضليه وخياراته لتصبح أرصدة بنكية وعقارية في اسم هذا الرجل وأمثاله. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لقد أفسد العمل السياسي والنقابي والمهني عبر تدخله فيه وتسفيهه وتفتيته. كما أنه أبعد المثقفين وأقصاهم تَيَمُّنا بالفكر الهتليري الذي يكره الثقافة. وإذا كان صاحبنا يحقد على المثقفين والأطر خوفا على موقعه الحزبي، فكيف يمكنه إنتاج الأفكار وتطوير المشاريع، وبالتالي اكتساب القدرة على التأطير ونشر فكر الحزب في المجتمع وتوسيع تنظيماته؟ ألا يعلم صاحبنا أن إبعاده للمثقفين هو انتحار له وأنه وراء هزيمته؟.
لذلك، فعوض تشبثه بزعامته الورقية، ينبغي لهذا الشخص أن يعترف بفشله الذريع سياسيا وانتخابيا وتنظيميا، ويمتلك الشجاعة الأدبية لتقديم استقالته. وبدون ذلك، سيقدم دليلا ساطعا على عجزه وعماه وتسلّطه. ومن لا يعترف بأخطائه، لا يمكنه أن يتغير. ومن لا يتغير محكوم عليه بالفناء.
كاتب

شارك المقال