لا يجب الخوف من الأعداء

01/10/2015 - 22:30
لا يجب الخوف من الأعداء

إن ما جرى في حديقة قصر فرساي مؤشر، من بين مؤشرات أخرى، على اختلال مجتمعاتنا، وعلى التهديدات التي تحذق بديمقراطياتنا الهشة للغاية: فقد تعرض العمل الفني الضخم (خرطوم من الحديد الصلب طوله 60 مترا) المعروض في هذه الحديقة تحت عنوان «الركن القذر» (Dirty Corner)، وهو لأحد أشهر الفنانين المعاصرين، أنيش كابور(Anish KAPOOR)، للاعتداء ثلاث مرات، منذ إقامته هناك في يوينو الماضي، بل وتم تلطيخه في المرة الأخيرة بعبارات ضخمة تنضح باللاسامية. ولم يحتج أحد بقوة كافية، ولا ألح أحد على إزالة تلك العبارات.. لا إدارة القصر.. ولا وزارة الثقافة.. ولا الحكومة.. ولم يحتج أي نائب، ولا حتى صحافي على تلك الكتابات. ولما رأى الفنان نفسه أن يتخذ موقفا غير عقلاني بالتأكيد على أن تلك العبارات تشكل من الآن فصاعدا جزءا من عمله، تنفس الجميع الصعداء وبدوا مستعدين للانشغال بأمور أخرى.
وكان يجب انتظار قيام جمعية «محامون بلا حدود» (بدعم، يا للمفارقة، من مستشار في بلدية فرساي كان ضد عرض ذلك العمل الفني) برفع دعوى أمام القضاء حتى يقوم قاض بالمحكمة الإدارية لفرساي بإصدار أمره إلى القصر بمسح تلك العبارات اللاسامية «فورا»، معتبرا أنها تخل بالنظام العام وتمس «بالخصوص كرامة الكائن البشري». والتزمت المؤسسة العمومية المعنية بإخفاء تلك الكتابات «تحت مراقبة الفنان». وهو ما تم أخيرا.
إن هذه القصة نموذج لمآسي عصرنا؛ إذ من المثير للحنق حقا أن هذا العمل الفني لم يكن محميا منذ وضعه في الحديقة، على الأقل، بكاميرات للمراقبة، ومن غير المعقول تماما ألا يحتج أي أحد بقوة على مثل هذه الشتائم الخارجة عن القانون. ويصعب على المرء تصديق أن يترك للفنان، في ظل غياب أي شكوى، الحق في الاحتفاظ بعبارات قدحية على عمله. ومن غير المقبول اعتبار عبارات لاسامية جزءا من عمل فني (وما يسري على العبارات اللاسامية يسري على كل أشكال التمييز العنصري). ومن المثير حقا، في الأخير، انتظار تدخل خصم محلي للفنان (لا شك أن هدفه كان التخلص من العمل الفني مع تلك العبارات) حتى يتم اللجوء إلى القضاء.
في أي عالم صرنا نعيش، ألم نعد نأخذ الشتائم والعبارات القدحية مأخذ الجد؟ في أي عالم أصبحنا نعيش، ألم نعد نحظر العنصرية واللاسامية؟ وألم نعد ندافع عن سلامة الأعمال الفنية؟
والواقع أن التاريخ يعلمنا أن الديمقراطية لا تموت أبدا بسبب قوة أعدائها، بل تنهار دائما بسبب نقاط ضعفها. وفي صدارة هذه النقاط نجد اللامبالاة تجاه الاعتداء وتخريب الأعمال الفنية. فما يجري في فرساي، وما يحدث في تدمر (بسوريا)، وما وقع في «بميان» (بأفغانستان) أو تمبوكتو (بمالي)، يحيلنا إلى الرهان ذاته: لما تتوقف الديمقراطيات عن حماية الأعمال الفنية، فإن ذلك يعني بداية نهايتها.
وعموما، فإن الديمقراطية لا يمكنها التعايش مع السذاجة واللامبالاة و»اللاعنف»، بل يجب حمايتها بجهاز شرطة وبجيش. يبدو أننا نسينا أنه بفضل القوة تمكنا، قبل سبعين سنة، وفي اللحظة الأخيرة، من الحؤول دون انتصار أولئك الذين شرعوا في تدمير الأعمال الفنية وكتابة العبارات اللاسامية.
إن خفض درجة اليقظة، وعدم التعبير عن السخط، والتغاضي عما لا يطاق، وعدم التسلح والدفاع عن قيمنا وعن أنفسنا، يعني بداية النهاية. والغرب اليوم ليس بمنأى عن هذا المصير: فالولايات المتحدة لم ترفض احترامها في سوريا، وبريطانيا العظمى لم تعد تتوفر على جيش ذي مصداقية، كما أن ألمانيا واليابان لا تتوفران على جيش حقيقي مُذْ عادتا إلى رحاب الديمقراطية. وفرنسا لا يمكنها لوحدها الدفاع عن أوروبا.
إن ديمقراطياتنا في خطر، لأنها لم تجهز نفسها بالقوات الضرورية. والخوف هو أسوأ أعدائها، أما الضامن لبقائها فهو الشجاعة، بشرط تمكينها من الوسائل الضرورية.
كاتب فرنسي
ترجمة مبارك مرابط
عن «ليكسبريس»

شارك المقال