إن الله يرانا!

13 أكتوبر 2015 - 23:45

يقول صاحبي الممثل المسرحي: «حرص رئيسي المباشر، وقد كان وزيرا آنذاك أنْ يَمْنَحنَي بنفسه في استحقاقات الترقية، وأن يحرمني منها لخلافي معه».
وفي نازلة مماثلة فوجئ القضاة بكاتبة مسؤول قضائي سابق لم تبق له سوى بضعة أيام لِيُحَال على التقاعد تطرق أبواب مكاتب القضاة، وتلح غاية الإلحاح كي يمكنوها من نشرة التنقيط، فالرجل لم يَكْتَفِ بِمَا أَسَاءَ لزملائه طيلة فترة ولايته، بل آثر أن لا تبقى قطرة سُمٍّ واحدة بشوكته.
يقترب المثالان معا من معنى واحد. ففي سِباق محموم نحو تحقيق مصالحنا الشخصية نبدي آراءنا في من حولنا، وقد ندفع بالجهلة والحمقى والمنافقين إلى الصفوف الأمامية ضدا على من يخالفونا الرأي، فإذا بلغ السيل الزبى كِدْنَا لهم وأسقطناهم أرضا، في الوقت الذي نُزَيِّنُ فيه سِلْعَة أولئك، فَيَضيعُ مِنَّا المقود في خاتمة المطاف. إن تبقى العمل بهذا السلوك الشاذ في كل مرافقنا، سيخلق جيلا من الكسلاء الانتهازيين، حتى إذا جاء وقت الامتحان كنا من الرَّاسبين الأوائل.
عندما سأل أحدهم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين قائلا: قال عنك الزعيم سعد زغلول مرة: إنك رائد من رواد الفكر الحرِّ. ومرة أخرى قال عنك إنك متهور طائش، ففي أي من الرأيين كان الزعيم صادقاً؟ رد طه حسن: «هو صادق فيهما معا، فهو لِيَسْتَمِيل النخبة المثقفة قال بالرأي الأول، ولِيَسْتَميلَ العوام من أتباعه، جَاهَرَ بالرأي الثاني».
وقد كان فولتير دقيقا عندما لامه أحدهم قائلا: «أنت تثني على سلوك فلان، في الوقت الذي يُشْبِعُكَ قذفا»، فأجاب: «ربما يكون أحدُنَا مُخْطِئاً في حق الآخر».
مازلنا نَحُثُ جهة الاختصاص أن تعيد النظر في طريقة تقييمها لسلوك الأفراد وعملهم، وكيفية ترشيحهم وتأهيلهم للمهام التي يجرون وراءها. ومازلنا نواجه بآذان صماء إلى أبد الآبدين، ومن المناوئين من يرد علينا بالقول: «وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تَعْقِلون» صدق الله العظيم.
عندما تنتقد الجمعيات المهنية، ومنها المنتدى المغربي للقضاة مشروعي القانونيين التنظيميين الخاص بالقضاة والسلطة القضاة، فهي لا ترسل الكلام على عواهنه.
فهي تعرف ما تقول لما تُطالِبُ بإحاطة ما يبدي في حق القضاة من نظريات بالضمانات المستوحاة من الحياد والموضوعية والرزانة.
قد عانى القضاة ولازالوا يعانون من الظلم في هذا الباب، فلما يكتب أحدهم عن قاض يشتغل لديه إنه لا يعتني بهندامه، والحال أن مبدي النظرية لا هندام له، أو أن يقول عن القاضي إنه يظهر ما لا يبطن كأنه عرّاف أو ساحر، فهذا منتهى العبث.
إن العيوب الخفية والظاهرة التي راكمتها طريقة تقييم سلوك القضاء وعملهم منذ زمن آن الأوان بمقتضى القانون أن تتغير جذريا، فالذين يعرفون القضاة الجادين منهم وغير الجادين، هم القضاة أنفسهم. ومهما خالفت جهة الاختصاص ذلك الإجماع، عِنْدما تَنْزَوي في ركن خفي، فلن تمحو الحقيقة ولن تُغْمِضَ الأعين. لقد أرسَتْ طريقة التقييم المنْهَج التالي:
ـ استغلال الحسابات الشخصية في إبداء الرأي!
ـ الافتقار إلى الحياد والموضوعية!
ـ حرص من أدرك منصبا لا يستحقه على تفعيل الطريقة التي وصل بها في عمله!
ـ طريقة الانتخابات ساهمت في تكريس هذا الوضع!
ـ التنقيط المجاني إما سلبيا أو إيجابيا!
ـ دور سياسة العصا والجزره في تكوين بعض النظريات!
من السهل جدا أن نُعيد ترتيب البيت كي تَشد أزراره بأسمنت مسلح سليم، وأعمدة ثابِتة وسقف متين، في كل قطاعتنا بدون استثناء. إذ لا ينبغي لدوري الهواة أن يتصدر الترتيب العام، إذا كانت الأيادي الخفية غير مراقبة. فعندما أجاب ذلك الطفل البرئ والده الذي كان يسرق العنب من أعلى الشجرة قائلا:
يا أبي قد يرانا صاحب الضيعة وردَّ الأب: «إنه لا يرانا.»
قاطعه الطفل: «ولو يا أبي. إن الله يرانا».
ـ نعم إن الله يرانا!
ـ نعم إن الضمير يرانا!
ـ نعم إن مصلحة الوطن ترانا!

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.