فضيحة دولة

30/10/2015 - 02:13
فضيحة دولة

تبدو كلمة «الاندماج» (integration) الجميلة التي تحيل في الفرنسية إلى intégrité (النزاهة) وintégre (النزيه)، محظورة في المعجم العمومي، فلم يعد أحد يهتم بإدماج أولئك الذين يريدون المساهمة بقدراتهم ومواهبهم في الأمة الفرنسية. ولم يعد الاندماج مدرجا في جدول أعمال أي وزير ولا أية إدارة. بل لم يعد أي أحد مكلفا به، كما لم يعد أي سياسي يوظف هذه الكلمة في خطبه، سواء من اليمين أو اليسار أو التنظيمات المتطرفة.
فاليمين المتطرف لم يعد يتحمل حتى أي حديث عن المهاجرين، فما بالك تناول إدماجهم. أما اليسار المتطرف، فيعتقد أن المهاجرين يجب أن يظلوا كما هم، وليس الذوبان في نموذج عتيق. في حين تعتقد الأحزاب الحكومية، من اليمين واليسار على حد سواء، أن الاستقبال الجيد للمهاجرين وإدماجهم سيشجع الكثيرين على القدوم (إلى فرنسا).
وبالتالي، فهم يحكمون على أولئك الذين وصلوا إلى فرنسا، وأولئك الذين يعتزمون الذهاب إليها، بالعيش في الجحيم، أي في مساكن أو مخيمات «مؤقتة دائمة»، ولكن أساسا غير لائقة، مع الحرص على عدم إطلاعهم على حقوقهم (في التعليم والعلاج والسكن وتسوية وضعيتهم). هكذا يتم تحويل مدن برمتها، أو أحياء بكاملها، إلى أماكن غير صالحة للعيش بالنسبة إلى سكانها الأصليين، الذين يتعين عليهم التعايش مع هؤلاء المهاجرين الجديرين بالاحترام واليائسين، القادمين من مختلف أنحاء العالم.
إن الاعتقاد بأن إخفاء المشكل، وتحاشي معالجته، سيفضي إلى اختفائه، لا يسهم في الحقيقة سوى في تعميقه، لأن السكان الذين تركوا وحدهم وجها لوجه مع المهاجرين، سيلتفون أكثر فأكثر نحو الجبهة الوطنية (اليمين المتطرف)، رغم أنها لا تملك أجوبة أفضل مما لدى الآخرين.
ولنا في «كالي» (شمال غرب فرنسا) نموذج فظيع: إذ يتعين على هذه المدينة الفقيرة أصلا، والتي تخلت عنها الدولة، التعامل مع 7 آلاف مهاجر (سيصل عددهم قريبا إلى 10 آلاف شخص) بوسائل متواضعة جدا. ويحاول 1500 مهاجر عبور نفس المانش في بعض الليالي للوصول إلى ما يعتقدون أنه «النعيم البريطاني»، فقط لأنه لا يتحمل أي أحد عناء الحديث إليهم حتى يوضح لهم أن الحقوق التي يتوفرون عليها بهذا الجانب من المانش أكثر من تلك التي توجد هناك في الضفة الأخرى.
إذن، متى سنضع حدا لفضيحة الدولة هذه؟ متى نقلع عن رصد ثروات للتمترس خلف الحواجز، دون صرف أي أورو لتخصيص استقبال لائق لهؤلاء النساء والرجال والأطفال؟ متى نقوم بما يلزم لإغلاق مخيمات البؤس، ولكن ليس لإحداث أخرى، بل لإدماج هؤلاء الناس في عدد من قُرَانا، تلك الأماكن الرائعة التي يزحف عليها التصحر، والتي ستجني الكثير من استقبالهم؟ ويكفي أن نشرح لسكان ومنتخبي تلك الجماعات القروية كيف يمكنهم التصرف ثم مساعدتهم لتحقيق هذا المشروع الرائع، وهذا فيه مصلحة لهؤلاء السكان، وفي مقدمتها الحفاظ على كل الخدمات العامة. ولكن هذا يتطلب أولا، على الصعيد الوطني، وضع سياسة، خطاب، رؤية، تتسم بالوضوح، في هذا الاتجاه أو ذاك.
لقد بات الحسم في الاختيار أمرا مستعجلا اليوم: إما أننا لا نرغب في وجود هؤلاء المهاجرين بفرنسا، فنسارع إلى طردهم، من خلال وضعهم على متن طائرات أو بواخر لردهم إلى سوريا أو ليبيا أو إيرتيريا أو أفغانستان، كما فعل الإنجليز والأمريكان مع أولئك اليهود الألمان الذين تم طردهم وإعادتهم إلى مدينة «هامبورغ» سنة 1938؛ وإما أن نطبق القانون الجمهوري بحذافيره، فتتكفل الدولة الفرنسية بتخصيص استقبال لائق ودائم للمهاجرين، ومع توضيح أن هؤلاء سيجلبون معهم مناصب الشغل والنمو، فضلا عن إغناء الهوية الفرنسية باختلافاتهم.
إن أسوأ نهج هو الإحجام عن القيام بأي خطوة. ولكن هذا هو الموقف الحالي لكل القادة السياسيين، الذين يحفرون بهذا السلوك قبورهم، من خلال فتح الطريق أمام التيارات المتطرفة الحاملة للحلول السخيفة والحقيرة.
أعلن هنا، بملء الصوت، أنه من مصلحة فرنسا إدماج هؤلاء المهاجرين، كما أن من مصلحتها التعامل معهم بصرامة (كذلك مع كل الأجانب وكل الفرنسيين) بخصوص احترام كل متطلبات العلمانية.
يتعين، أخيرا، التحلي بالشجاعة الكافية للتذكير بأن فرنسا مدينة بالقدر ذاته لجذورها «السلتية» (celtes) والمسيحية، وكذلك لدماء شهداء «الملصق الأحمر» (affiche rouge، وهو ملصق دعائي وزعه النازيون عند إعدامهم سنة 1944 لمجموعة من المقاومين الأجانب)
كاتب فرنسي
ترجمة مبارك مرابط
عن «ليكسبريس»

شارك المقال