بين التهريب والإرهاب.. هل حدودنا البرية فعلا محمية؟

03 ديسمبر 2015 - 07:00

عقب هجمات باريس في 13 نونبر الفائت، رفعت السلطات المغربية درجة التأهب مخافة تنفيذ عمليات في البلاد أو تسلل مشتبه فيهم عبر حدودها، لاسيما حين عُلم أن بعض المتورطين المباشرين في تنفيذ هجمات باريس، وأصولهم من المغرب، يوجدون في حال فرار. ولفحص فعالية مراقبة السلطات المغربية لحدودها في أوقات حرجة مثل تلك التي أعقبت هجمات باريس، أجرت «أخبار اليوم» تحقيقا في معبر باب سبتة لتكشف لكم ما إن كان بالإمكان فعلا مواجهة أي تهديد محتمل عابر للحدود.

عين الأمن وعين المهربين!

يوم الأحد 15 نونبر، كان القلق يسود جموع الأشخاص الذين يعيشون على تهريب السلع من معبر باب سبتة، فهم يعتقدون أن عملهم سيتضرر بشكل جانبي بسبب هجمات باريس. وكما أخبرني عبد السلام، وهو واحد من كبار المهربين، فإن «الوضع حساس»، وقد حاول أن يستفسر بشكل مسبق بعض رجال الشرطة في المعبر حول شكل الإجراءات التي يمكن أن تتخذ يوم الاثنين، لكنه لم يحصل على أجوبة مقنعة: «إنهم يخبرونني بأن التعليمات الموجهة إليهم لا تختلف عما هو سائد منذ شهور.. إنهم يقولون إن حركة السلع لن تتوقف، وبالرغم من أن هذا يعد خبرا جيدا، إلا أنني أشك في صحته».

كان عبد السلام يستفسر بواسطة الهاتف من يقول إنهم رجال شرطة يعملون في المعبر، لكن رتبهم منخفضة، و»قد لا تصلهم التعليمات الجديدة سوى بشكل متأخر». في وقت لاحق من ذلك اليوم، طلبت من ضابط شرطة أعلى رتبة أن يمدني بمعلومات حول الإجراءات الجديدة ليوم الاثنين، لكنه اكتفى بالقول: «لا شيء هناك. ستكون الترتيبات طبيعية ومعتادة». ويظهر أن الكثير من كبار المهربين الذين يعمل لفائدتهم عشرات من المهربين الآخرين قد تلقوا التطمينات نفسها، لأن المدخل الرئيس لمعبر باب سبتة كان بعد بضع ساعات يعج بالمهربين. كنت هناك في الساعة الثالثة من صباح يوم الاثنين، وكان المئات من الأشخاص يتجمعون بالباب الحديدي حيث يسمح لسيارات القاطنين في مدينة سبتة بالولوج لوحدهم، بينما كانت الطريق من المعبر حتى مدخل مدينة الفنيدق (نحو كيلومترين) تغص بسيارات المهربين. أجريت حسابا لعدد السيارات، ووصلت في تلك الساعة المبكرة إلى 400 سيارة، وكان لا يزال أمامي نحو 200 متر من طابور السيارات. ومن المفترض أن تجد هذه الأعداد من السيارات مكانها داخل مدينة سبتة قبل السادسة صباحا، حيث تكون الطوابير قد امتلأت بأعداد جديدة من السيارات.

في الساعة الثالثة والنصف، ونحن نراقب مئات المحتشدين حول مدخل السيارات بمعبر باب سبتة، حدث شيء ما، لأن أولئك الناس جميعا شرعوا في الصراخ ثم في الهروب نحو داخل معبر باب سبتة. لقد اقتحموا الباب الحديدي، فيما تجنب رجال الشرطة قليلي العدد هناك مواجهتهم. وبالرغم من أن اقتحام تلك الأعداد للحدود بذلك الشكل كان غريبا علي، إلا أن مرافقين كانا معي حينها، أكدا لي أن تلك «الهجمات عادية وروتينية». عاد رجال الشرطة بعدها بدقائق إلى أماكنهم بعدما ولج الجميع تقريبا المعبر، وتصرفوا وكأن شيئا لم يحدث. وحسب ما فهمت لاحقا من شهادات عاملين في المعبر، فإن «المقتحمين» يتجهون رأسا نحو السياج المخصص للراجلين على الجانب الإسباني، وهناك ينتظرون ساعة الصفر، أي السادسة صباحا كي تسمح لهم الشرطة الإسبانية بالعبور. وعلى ذلك الطرف لا تحدث هجمات بالمطلق. وبالرغم من أن عدد رجال الشرطة أقل، إلا أن قدرتهم على السيطرة على تلك الأعداد تبدو سلسة. بيد أن تلك «الهجمات» لا تثير مخاوف أحد، وقد أخبرني ضابط شرطة بالمعبر بأن «المقتحمين من المهربين المعروفين، ولذلك يجري التغاضي عن تصرفاتهم.. إننا متأكدون من أنهم أشخاص مسالمون من وجهة الإجراءات المتعلقة بمحاربة الإرهاب». وقد لاحظت بالفعل وجود عناصر شرطة فضلا عن أعوان سلطة، يفحصون وجوه المهربين المقتحمين وهم واقفون في طابور ينتظرون فتح الباب من لدن الإسبان، وكما يشرح الضابط المذكور، فإن «الأشخاص المحتمل تسللهم رفقة المهاجمين، ممن يمكن أن يشكلوا نوعا من الخطورة، يجري قنصهم بسهولة في الطابور هناك».

وفي ذلك الصباح، لم تقنص السلطات أي شخص. يجري التعرف بسهولة على الأشخاص الغريبين ممن يختلطون بالمهربين، وتسمح سنوات من العمل لرجال شرطة معينين بتكوين خبرة في التعرف على الأشخاص بالمعبر وتمييز العاملين في التهريب عن غيرهم. وعادة لا يجري تغيير الكثير من الضباط في المعبر لهذا الهدف بالضبط، فهم «يملكون خبرة مطلوبة، ولا يمكن تغييرهم برجال جدد، لأن ذلك قد يخلق ثغرة أمنية كبيرة». ولا تدع السلطات كل إجراءات الحذر في قدرة رجال الشرطة على التعرف على الأشخاص، بل تسندها بشبكة مخبرين ومتعاونين من المهربين أنفسهم: «سيبدو لك الأمر مفاجئا لكن المهربين أنفسهم يسعون جاهدين لحماية أعمالهم من الغرباء. فهم يعرفون أن وجود شخص قد يكون مصدر تهديد بينهم، سيضر بمصلحتهم كثيرا، ولذلك، فإنهم يبتعدون عنه ولا يتركونه قريبا منهم في المعبر، وبعضهم قد يستفسره أيضا، وفي غالب الأحيان تجري الإشارة إليه من لدنهم كي يتعقبه رجال الشرطة، وكثيرا ما استجوبنا أشخاصا كانوا ضمن المهربين بفضل إرشادات المهربين أنفسهم»، كما يؤكد الضابط المذكور.

ثغرات مبررة!

وما يحدث في تلك الساعة المبكرة من الصباح، لا يتكرر عادة حينما ينبلج ضوء النهار، إذ تصبح الإجراءات أكثر صرامة، ولا يسمح بأي هجمات على معبر باب سبتة من لدن المهربين. لا يخضع المهربون المعروفون لدى السلطات هناك سوى لتفتيش عشوائي، ويكون السبب الرئيس في ذلك «شكوك في حملهم لمخدرات»، كما يقول رجل شرطة تعرفنا عليه هناك واسمه محمد. ومع ذلك، هناك شيء واحد لم يتغير بالرغم من حدوث كل الاضطرابات المرتبطة بالإرهاب: ترك الناس تلج إلى المعبر دون الخضوع لإجراءات التأشير على الجواز. ويبرر ضباط الشرطة الموجودون هناك هذه المسألة في تجاوز «اختناق حاد» بالمعبر بالقول: «لا يمكن تحمل الكلفة الزمنية للتأشير على جواز سفر كل مهرب أو عابر، سينقضي النهار كله، ولن يكفينا لفعل ذلك مع ربع العابرين.. إن الآلاف من المهربين الذين لا تتجاوز مدة عملهم أربع ساعات (من السادسة إلى العاشرة) لا يمكنهم القبول بالوقوف في صف التأشير لساعات، وستحدث اضطرابات لا محالة، وحينها ستصبح الأوضاع سيئة. إننا نعمل وفق هذه الكيفية منذ سنوات ولم يحدث شيء».

وفي واقع الأمر، فإن هذه الطريقة في العمل لم تكن دوما ملائمة وفق منظور محاربة الإرهاب، فقد تبين أن العشرات من الشبان المغاربة المنحدرين من تطوان ونواحيها (ممن يمتلكون حقا استثنائيا في الولوج إلى سبتة دون تأشيرة سفر)، كانوا يلجون بصفة مستمرة إلى سبتة حيث تلقوا إرشادات وأموالا من لدن متطرفين هناك، لكن لم يجر الانتباه إليهم أبدا، لأنهم لم يشعروا يوما بأنهم مجبرون على تأشير جوازات سفرهم باستمرار. وعلى كل حال، يعترف بعض ضباط الشرطة بوجود نقائص في نظام ولوج الأشخاص إلى سبتة، لكنهم يقللون من أضرارها في نهاية المطاف: «هناك جوازات سفر لأشخاص معينين يطلب منهم رجال الشرطة مغادرة الطابور والتأشير عليها، وفي الغالب، يكون السبب إما أن صاحب الجواز شخص غير مألوف، وإما أن جواز سفره لا يحمل دمغات كثيرة». لكنها لا تكون على هذه الحال دائما، إذ يمكن أن لا يتضمن جواز السفر سوى دمغات قليلة، لكن يسمح له بالولوج دون قيد، وهذه حال يوسف، إذ منذ 2012 لا توجد في جواز سفره سوى ثلاث دمغات، أي دمغة لكل عام، وهو يقول إن ذلك كاف بالنسبة إلى رجال الشرطة لأنهم يعرفونه على نحو وثيق.

والحال نفسه ينطبق على السيارات؛ إذ يبدو أن المهربين الذين يقودون سياراتهم المهترئة غير ملزمين بالتأشير على جوازات السفر، و»إذا ما فعلوا ذلك، سيتطلب ولوج المعبر بالنسبة إلى أولئك الموجودين في الطابور نحو ست ساعات، وهو أمر غير محتمل من الوجهة العملية»، كما يفسر ضابط شرطة. تخضع السيارات لتفتيش أدق، لأن مهربي المخدرات يستعملون هذه الطريق بنشاط، علاوة على تهريب البشر، وفي كثير من الأحيان، يغفل رجال الشرطة وجود أشخاص في تلك السيارات، حتى تعثر عليهم الشرطة الإسبانية بعد مائة متر، ويحدث ذلك أيضا فيما يخص المخدرات، لكن بشكل أقل. وكخلاصة مفزعة، فإن رغبة السلطات في الحفاظ على درجة مقبولة من سلاسة الولوج في معبر باب سبتة تترك هامشا متزايدا لتسلل غير المرغوب فيهم، حتى إنني صادفت شخصا نجح بكل بساطة في ولوج معبر باب سبتة باستعمال جواز سفر شقيقه، لكنه كان معروفا لدى الشرطة كواحد من المهربين النشطين.

ولوج مثقل بالأحمال

وإذا كان ولوج معبر باب سبتة بهذه الكيفية وبهذه الثغرات يبدو «أمرا محتملا قليلا»، بحسب تفسير الشرطة نفسها، لأنه يتعلق بمغادرة التراب الوطني في نهاية المطاف، فإن الإجراءات يجب أن تكون أكثر شدة عندما يتعلق الأمر برحلة عودة المهربين، أي في طريقهم إلى ولوج التراب الوطني. وفي هذه المرحلة تصبح المحاذير مزدوجة، لأنها ترتبط بالأشخاص وبالسلع.   

وراء تل على مبعدة نحو مائة متر من الباب الرئيس لمعبر باب سبتة، حيث يتجمع الآلاف من المهربين والعابرين، يوجد معبر خروج آخر ينطوي على تحديات كبيرة بالنسبة إلى نظام المراقبة. من هذا المخرج، ويدعى بـ»القنطرة»، يغادر يوميا نحو ألف شخص محمل برزم كبيرة الحجم يتراوح وزنها ما بين 50 و100 كيلوغرام، وهي مليئة بسلع يجهلونها على كل حال. لا يعرف ما تحويه تلك الرزم سوى المهربين الكبار ومعاونيهم المباشرين، وهم يعولون على ثقة رجال الجمارك والشرطة معا فيهم ليسمحوا بمرورها دون تفتيش، والحق أن ذلك ما يحدث فعلا. لقد قضيت أربعة أيام في ما يدعونه «الجبل»، حيث تلقى تلك الرزم وتشحن في سيارات نحو مخازن مخصصة لهذا الغرض في مدينة الفنيدق، ولم ألحظ بشكل واضح وجود مراقبة كبيرة على تلك الكميات الهائلة من السلع غير المكشوفة.

يغادر المهربون خط الحدود ويقفزون نحو قنطرة مسيجة من كل الجوانب حيث يوجد رجال الجمارك. وبمجرد أن تقطع خط الجمارك، فأنت قد كسبت ما لا يقل عن 500 درهم. وما يحدث غالبا هو أن لرجال الجمارك قواعد عمل غير مكتوبة تتعلق بحجم الرزم والعدد المسموح بتهريبه. لا يتلقى رجال الجمارك رشاوى عن ذلك كما لاحظت بشكل مباشر، وإنما يسمحون بمرور الرزم من أمامهم وكأنها غير مرئية أو وكأنهم مجبرون على ذلك. وفي الواقع، يستطيع بعض المهربين تهديد رجال الجمارك، وقد شاهدت يوم الخميس الفائت مهربا قيل لي إن اسمه محمد، وهو يسب رجال الجمارك هناك بعدما رفضوا مرور رزم تعود إليه بسبب كبر حجمها، وقد سمح له الجمركيون بعدها بدقائق بتهريب تلك الرزم في نهاية المطاف، ويستمد ذلك المهرب سطوته من سابقة شهادته ضد جمركيين بالمعبر.

لا يقوم رجال الجمارك في تلك القنطرة المخصصة للتهريب بشيء عملي لمراقبة ما تحويه تلك الرزم، وفي يوم الاثنين ذاك، نجح المهربون في نقل نحو 600 رزمة متوسطة الحجم إلى الفنيدق لم تكن بينها سوى 10 مزقت من إحدى جوانبها لكشف ما تحويه من أشياء. وعادة ما يلجأ رجال الجمارك إلى تمزيق بعض الرزم باستعمال سكين، لكنهم لا يحدثون سوى تمزق سطحي، وبالكاد يمكن معرفة ما يوجد في الرزم.

ولدى رجال الجمارك قليلي العدد هناك مخاوف جدية، وقد التقيت بمهربين يتلخص عملهم في شحن بطن تلك الرزم بهواتف ذكية يجري تهريبها باستمرار، ونادرا ما تفطن الجمارك إلى وجودها، حتى إنهم طيلة شهرين قبل الآن، لم يكتشفوا سوى رزمة واحدة تحوي على هواتف. وإذا كان بالإمكان شحن تلك الرزم بأي شيء، فإنه من السهل أن تشحن بأسلحة، لكن المهربين الذين ينقلون تلك الرزم ليست لديهم هذه المخاوف، لأن لكل رزمة علامة مميزة توضع عليها لمعرفة صاحبها، وهو نفسه أو معاونوه من يقوم بشحن السلع في الرزم، ومن الصعب عليه أن يغامر بتهريب أسلحة . ولا تضرب السلطات مراقبة كبيرة على مسار تلك الرزم بعد خروجها من المعبر، ولا توجد حواجز تفتيش ولا أي مظهر لرجال أمن على طول تلك الطريق. إبراهيم، وهو مهرب ينقل الرزم أخبرني وهو يسلم رزمته ويتلقى 700 درهم كعمولة، بأن جمركيا فتح رزمته بسكين وكاد حينها قلبه أن يتوقف: «لقد حملت الرزمة وأتيت. وعندما أراد الجمركي تمزيق جانبها أحسست بالرعب لأني لا أعرف ما يوجد بداخلها. قد تكون هواتف وقد تكون أشياء أخرى، وسأجد نفسي في متاعب كبيرة».

وفي ضوء هذه الإجراءات الخفيفة بعد هجمات باريس، سيكون من الصعب القول إن الحدود البرية محمية بشكل كامل، وما يحدث في تلك القنطرة يقع أيضا في ممر السيارات، فهي تُحمل بأكوام هائلة من السلع، ثم تعبر خط الجمارك وكأنها غير مرئية. ومن دون وجود جهاز لكشف مواد أو أدوات تشكل خطرا، فإن طريقة مراقبة الناس والسيارات في معبر باب سبتة تبدو بهذه الكيفية وكأنها طريق لا تخلو من مخاطر، حتى وإن كانت السلطات تؤكد باستمرار بأن الوضع «تحت السيطرة «.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي