دردشة مع الغنوشي 

02 ديسمبر 2015 - 22:00

في فيلا صغيرة بأحد الأحياء المتوسطة في العاصمة تونس، استقبلنا زعيم الإسلاميين التونسيين.. الرجل الذي تحول من لاجئ سياسي في بريطانيا لمدة 20 سنة إلى شريك أساسي في حكم البلاد، مهد الربيع العربي. رأس أبيض، وصوت بالكاد يسمع، وابتسامة لا تفارق فمه، يستعملها للتواصل مع محاوريه، ولأخذ وقت للتفكير قبل الكلام. كنت رفقة أصدقاء في زيارة لبلاد الزيتون الشهر الماضي لحضور ندوة علمية حول الانتخابات المغربية، فانتهزنا الفرصة لنزور راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة وشريك الباجي قايد السبسي في الحكم، لنعرف من أهل الدار أحوال الثورة التونسية وظروفها الانتقالية الصعبة… سألته أولا عن الأسباب الكامنة وراء الهشاشة الأمنية التي جعلت الإرهاب يضرب أكثر من مرة دولة كانت تلقب بالدولة البوليسية في عهد بنعلي، فماذا حدث حتى تراخت قبضة الأمن على البلاد؟ فرد قائلا: «الأجهزة الأمنية في السابق كانت تشتغل بأسلوب واحد وهو العصا، وبطريقة بدائية لا اعتبار فيها لحقوق الإنسان ودولة القانون وضمانات المحاكمة العادلة. الآن أصبحت الأمور معقدة جدا، الجمعيات الحقوقية والصحافة تنتقد عمل الأجهزة الأمنية، وتطالبها بالاحترافية ومراعاة الحقوق الفردية والجماعية، وهذا شيء جديد على الأجهزة الأمنية، ويحتاج إلى خبرات أخرى ووسائل أخرى غير الوسائل القديمة، لهذا وقع ارتباك في المؤسسة، ونحن ندفع ثمنه، علاوة على الظروف الإقليمية الصعبة والحدود الطويلة مع ليبيا التي لم تستقر بعد».

السؤال الثاني للغنوشي كان حول أسباب مشاركة حزب النهضة في حكومة نداء تونس، الحزب الذي جاء إلى السلطة خوفا من قيم الثورة التونسية، فرد: «شاركنا مشاركة رمزية في الحكومة حتى لا نسهل عملية عزلنا، وحتى نحبط مخطط الجناح اليساري في نداء تونس، الذي كان ولايزال يعادينا. لقد انسحبنا من الحكم قبل الانتخابات الأخيرة من أجل تسهيل التوافق بين التونسيين بعد الاغتيالات السياسية التي كان هدفها ضرب الاستقرار، وقلنا إن حزب النهضة سيخسر الحكم لكن تونس ستربح الديمقراطية. كان خيارنا واضحا، وأنا تحملت مسؤولية قرار الانسحاب من الحكومة حتى دون الرجوع إلى هياكل الحركة، وقلت لهم: ‘‘إذا كُنتُم لا توافقون على هذا القرار فأنا أستقيل من قيادة النهضة’’». لتوضيح الصورة أكثر قال الغنوشي: «لا يمكن أن تحكم شعبا تعاديك نخبه. لا بد للذي يحكم من نصيب في النخب الثقافية والفنية والاقتصادية والإدارية. الثورة التونسية لم تحدث انقلابا في ميزان القوى، أحدثت خللا نعم، لكن ليس انقلابا يسمح لصندوق الاقتراع بأن يقرر لوحده من يحكم.. هذا مسار طويل وعمل أجيال، والمطلوب الآن هو توسيع المشاركة السياسية، وهدم جدار الخوف في نفوس الشعب».

كان لا بد في جلسة من ساعة ونصف أن نعرج على علاقة المغرب بتونس، وعن الجار العنيد الموجود بينهما (الجزائر)، وهنا وجدنا الغنوشي متابعا جيدا للأحداث في المغرب، ومن المعجبين برئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، وسياساته وليونته. جوابا عن سؤال حول ضغوط سياسية كبيرة لبوتفليقة على تونس لمنعها من الاقتراب من المغرب أكثر، قال الغنوشي بدبلوماسية ظاهرة: «أول درس يتعلمه الإنسان في السياسة هو أن يضع الخريطة أمامه قبل أي حديث في العلاقات بين الدول، وأحكام الجغرافيا تقول إن تونس بلد صغير واقع بين الجزائر وليبيا، وإن تونس لا تمتلك أن تحفر أنفاقا تحت الأرض للوصول إلى المغرب. نحن نناضل من أجل المغرب الكبير، ومن أجل تخفيض كلفة اللامغرب عربي الباهظة على الأقل»، ثم باح بأسرار عن علاقته ببوتفليقة، الذي زاره أربع مرات منذ الثورة التونسية، لا أملك نقلها هنا مراعاة لأمانة المجالس.

عن بنكيران قال الغنوشي: «إنني معجب بذكائه وواقعيته والكاريزما التي حققها، وهو مكسب للمغرب وللحركة الإسلامية التي كانت تجد صعوبة كبيرة في مخاطبة الناس، وكان خطابها يقتصر على المتدينين فقط دون بقية المواطنين. أرى الآن بنكيران يتحدث مع الشعب باللغة التي يفهمها، ويصارحه بالمشاكل، ويطور تجربة في الحكم سيستفيد منها آخرون في المغرب وخارج المغرب. التدرج في الإصلاحات، والبحث عن التوافقات الصعبة، واتخاذ القرارات المؤلمة، وإقناع الناس بها في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، مسألة ليست هينة بتاتا، ونحن جربنا هذا الأمر ولم نوفق فيه لاعتبارات عديدة، ولهذا قلنا إنه من الخطأ أن نساهم في السلطة بأكبر مما يقتضيه ميزان القوى»، ثم أضاف: «أعرف أن الأخ بنكيران يتعرض لحملات إعلامية شرسة، وأعرف أن الإصلاحات تتقدم ثم تتراجع، وأن ما يحدث في الإقليم المضطرب يؤثر عليكم، لكن استغلوا وجود نظام ملكي له جذور يوفر أرضية للإجماع، ويمنع التطرف هنا وهناك. لقد سبق لي أن قلت في أمريكا إن النموذج المغربي جدير بالاتباع في العالم العربي، لكن لا تخطئوا قراءة الترمومتر.. انتبهوا إلى المنحنى العام في بلادكم. هل المغرب بالصعود والنزول يتقدم مع هذه التجربة أم يتراجع إلى الوراء؟ الظرف صعب جدا، وإذا حُققت إنجازات صغيرة فهي بمقياس المرحلة أمور كبيرة. جل النخب القديمة غير ديمقراطية، وهي مستعدة لأن تهدم البيت على أصحابه إذا اقترب أحد من مصالحها وامتيازاتها».

خرجنا من منزل الشيخ راشد وكل واحد منا يعبر بطريقته عن إعجابه بواقعية الرجل، ونظرته العميقة إلى السياسة في بلده، وقيمة الدروس التي استخلصها من سنوات طويلة في المعارضة و سنوات قليلة في الحكم، وربما إليه يرجع الفضل، مع القايد الشيخ السبسي، في أن تونس مازالت واقفة رغم ما تعرضت له من هزات وأزمات ومؤامرات.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواطن من تطاون منذ 5 سنوات

رد على الأخ الكريم خالد. كما يبدو لي خالد ان النظرة الثاقبة للاسلاميين عموما خاصة في المغرب والجزائر وتونس ومصر والأردن وفلسطين وفي بلدان أخرى التي تتبنى الخط السياسي واجتهادات الإخوان المسلمين تكمن في كونهم أنهم استولوا بفكر ناقد ثاقب الظروف الداخلية والإقليمية والدولية التي تحيط وتؤثر بالظروف المحلية لهذه البلدان التي انبعثت فيها ثورات الربيع العربي، والدليل على حصافة فكر الاسلاميين في هذه البلدان انها تنعم في فترتنا الراهنة بالأمن والسلام لاسيما بالمغرب وتونس والجزائر والأردن رغم محاولات الانظمة العربية وجهات مجهولة جهرا إلى ما لا تحمد عقباه، بينما نجد الإخوان المسلمين في مصر رغم أحقيتهم في تسيير الشأن العام فإنهم فضلوا السجون والملاحقات والتعذيب والنفي على مواجهة النظام العسكري الذي انقلب عليهم وكمم أفواه الشعب المصري بكل أطيافه وانتماءاته. وأخيرا أقول لك اخي الكريم خالد ان الإسلاميين لا يحملون أي كراهية للناس بل يسعون فقط سعيا حثيثا على إسعاد الناس وإصلاح ما أفسده الفاسدون، فلو كانوا كارهين للناس لما ضحوا بأنفسهم وأموالهم وأرواحهم . وأؤكد لك اخي الكريم ان الخط السياسي للاسلاميين تطغى عليه سمة الإصلاح والتغيير بالتدرج، هذا هو منهجهم السياسي.

خالد منذ 5 سنوات

1-هل الصحقي صحفي ام حارس امانة مجالس؟ 2- اسوء رئيس وزراء عرفه المغرب هو بنلكيران. اساء ل((الديمقراطية)) ورسخ (المغربوقراطية) في حين منحته((حركة 20 ف.)) فرصا لن يعيشها المغرب ابدا، فرصا قوضت رسوخ نظامنا السياسي في الفساد بمئات اشكاله الممارَسَة في المغرب، لكن بنلكيران عوض ان بستثمرها لصالح الشعب ولصالح الإقلاع عن(المغربوقراطية) وإقامة جسر مع ((النظام الديمقراطي)) كما هو متعارف عليه عالميا، فضل ، حرصا على مصالح أنانية وأسرية وفئوية وحزبوية، تغاضي الطرف عن الفساد بغاية البحث عن الاندماج في الحب المدروس، الحي المتبادل بينه وحزبه والنظام كما هو بفساده وإفساده. 3- من أين للغنوشي ولغيره ان يدرك هذه الحقائقٍ؟ بل وهل يدركها الصحفي نفسهٍ؟ 4- لماذا لا يتصل الصحفي بغنوشي فقط؟ ألا يوجد تونسيون من اتجاهات أخرى؟ مجرد سؤال؟ 5-سؤال موجه إلى المعلق (مواطن من تطاون): اين بدت لك النظرة الثاقبة عند الاسلاميينٍ؟ٍ هل بدت لك في ايديولوجية كراهية الانسان التي يتبنونها؟ كيف يمكن لمن يتبنى ايديولوجة الكراهية والرعب والحقد على كل من هومختلف حتى ولو كان يدين بالاسلام أن يكون ذا نظر ثاقب؟ إنه لمن سوء حظ البشرية عموما والمسلمين البسطاء خاصة نشوء الاسلاميين وانتشارهم. يتبين اليوم وكل يوم ان شقء البشرية ذو منبعين اثنين: شراسة انانية الغرب، والصهيونية،،، وإيديولوجية الكره الاسلامية. كيف تتخلص البشرية من هذين المَعِينين للشر في الأرضٍ؟ صراحة لا أعرف...

مواطن من تطاون منذ 5 سنوات

ألم تعلم اخي الكريم مسلم مغربي صحراوي ان الإسلام الحنيف دين ودنيا كما بينه الله تعالى في كتابه العزيز ووضحته السنه النبوية الشريفة وما قام به صحابة رسول الله من اعمال وسلوكات وتصرفات تعبر بالواضح المنهج السديد الذي ارساه رسول الله صلى الله عليه وسلم قصد تنزيل الاسلام وتعاليمه السمحة على واقعهم وحياتهم الاجتماعية والاقتصادية ، فهذا اخي الكريم كله يندرج فيما يسمى بالسياسة التي يفر منها الانسان فرارا الذي لم يعتاد عليها نظرا للاخطاء البشرية التي تصطدم وواقع الانسان. فهنا اطرح عليك اخي الكريم تساؤلا مشروعا وشرعيا ،هل نترك وندع الفاسدين والعلمانيين والملاحدة ما يشاؤون ويتصرفون بكل حرية في أمور المسلمين ويعملون معاول الهدم والدمار في عقائد الناس يتحكمون في شؤونهم العامة؟

مغربي منذ 5 سنوات

"جل النخب القديمة غير ديمقراطية(و حتى الجديدة منها المغلفة بالحداثة و الديمقراطية٬ المبنية على أنقاض الماضي)، وهي مستعدة لأن تهدم البيت على أصحابه إذا اقترب أحد من مصالحها وامتيازاتها" it is the hidden truth

مسلم مغربي صحراوي منذ 5 سنوات

..ارتأت الحركة الاسلامية بنظرتها الثاقبة و حكمتها..الحركة 'الاسلامية' على وزن الحركة الشعبية او الحركة الشعبية الوطنية او او ..كلها حركات حزبية ضيقة وبالتالي فنظرتها ضيقة ..الفرق بين اهل السنة من اتباع منهاج النبوة وغيرهم من خطباء الفتنة وشيوخ الضلالة وجماعات البدعة في امور السياسة وتناول وقائع الاحداث..الفرق بين هؤلاء وهؤلاء ان اتباع منهاج النبوة ينظرون الى السياسة ووقائع الاحداث من منظور الشرع الاغر فما اقره الشرع قبلوه وما رفضه الشرع رفضوه.. واما خطباء الفتنة وشيوخ الضلالة وجماعات البدعة فانهم ينظرون الى الشرع من منظورالسياسة فما قبلته السياسة قبلوه وما رفضته السياسة رفضوه.. والشرع يحكم ولا يحكم عليه.. اهل السنة نظرهم ابعد وافقهم اوسع وفهمهم اعمق وقدمهم اثبت وكعبهم اعلى..واهل الفتن لا يبعد نظرهم عن مواطئ اقدامهم مع ضيق العطل وانسداد الافق واهتزاز النظر...

مواطن من تطاون منذ 5 سنوات

ان هزات ثورات الربيع العربي ايقظت الأنظمة الغربية على اعادة استراتيجيتها البعيدة المدى من اجل وضع خريطة جديدة لحاضر ومستقبل الانظمة العربية، وهذا ما جعلت الحركة الاسلامية ان تعيد النظر ايضا في خططها واستراتيجيتها وذلك لتتلاءم مع الاوضاع المستجدة التي لها صلة بردود دول المحيط والإقليم وردود مواقف الدول الغربية التي لها مصالح مستمرة واستراتيجية داخل بلدان ثورات الربيع العربي. ف الحركة الاسلامية المغاربية نتيجة للهزات العنيفة التي مست كياناتها وفشلها في تدبير شؤون الشأن العام للمواطنين بسبب قلة خبرتها وعدم قدرتها على مواجهة الفساد الذي ترسخ في مؤسسات إقتصادية وسياسية وإدارية قوية ونظرا لتأثير الدول الغربية عليها بما لها من نفوذ مالي واقتصادي وسياسي قوي على دول المنطقة العربية، ارتأت الحركة الاسلامية بنظرتها الثاقبة و حكمتها إلا تتسرع في خطاها فتراجعت خطوة الى الوراء حتى تتلمس مكامن الخطا والضعف ومن ثم لتبني على اساسها النهج الجديد الذي ستسير عليه في المستقبل. من هنا نخلص ان الحركة الاسلامية الموجودة في معظم مناطق ثورات الربيع العربي تواجه في الواقع قوى داخلية وإقليمية ودولية لا مهرب لهذه الحركة ان تواجهها بأسلوب جديد يتماشى وظروف المرحلة القاهرة التي ليست في استطاعتها ان توازيها في قوتها ومؤسساتها الكبيرة والعقيقة.

التالي