بها يسأل: من يعلق الجرس للقط 

07 ديسمبر 2015 - 22:00

في مثل هذا اليوم قبل سنة، وعلى الساعة السادسة مساء، وفي وادي الشراط، على بعد أمتار من مركز مدينة بوزنيقة، لبى وزير الدولة، عبد الله بها، نداء ربه في حادثة مفجعة اهتزت لها قلوب المغاربة. منذ ذلك الوقت لا يذكر اسم بها إلا مقرونا بعبارة: «رحمه الله». ظل رفيقه بنكيران مصدوما إلى اليوم برحيل يده اليمنى وشريك عمره الذي اقتسم معه الحلو والمر، لكن مكر السياسة لاحق عبد الله بها حيّا وميتا. رفاق الدرب لم يروا ضرورة لتخليد ذكراه الأولى حتى لا يصنعوا منه أسطورة، وحتى لا يُتهموا بأنهم يريدون التشكيك في الرواية الرسمية التي تقول إن القيادي في العدالة والتنمية عبد الله بها مات تحت عجلات القطار، لأنه لم ينتبه إلى قدومه في ليلة ظلماء كان يتفقد فيها مكان وفاة أحمد الزايدي غرقا في بركة ماء تحت الجسر… إنها هواجس بنكيران مرة أخرى، مع أن أحدا لم يتهم أحدا بالوقوف خلف الحادث الذي سجل قضاء وقدرا.

قبل وفاته بأسابيع، كنت جالسا إلى الطاولة نفسها التي كان يجلس إليها عبد الله بها في جنازة الزايدي في بوزنيقة، وكان الحديث يدور بين الحضور حول الربيع العربي وسلوك النخب العربية والمغربية التي لم تكن في مستوى المرحلة ولا في مستوى الشارع الذي هب يطالب بالإصلاح، وهنا حكى لنا عبد الله بها حكاية القط والفأر والجرس. تقول الحكاية: «إن جماعة من الفئران عقدت جمعا عاما للتداول في محنتها مع قط الحي الذي يصطاد كل يوم واحدا منها، ويأكله بلا رحمة ولا شفقة، فماذا هي فاعلة؟ نهض فأر من بينها واقترح فكرة تنقذ الجماعة من شراسة القط فقال: ‘‘سنشتري جرسا ونعلقه في عنق القط، وكلما تحرك لاستهدافنا سمعنا صوت الجرس، فنفر إلى جحورنا سالمين’’. صفق الجميع لهذا الحل المنقذ من الهلاك. لكن شيخ الفئران نهض وقال لها: ‘‘هذا اقتراح جيد لكن من سيعلق الجرس للقط؟’’. ران الصمت على الجميع، وانتبهت الجماعة إلى أن الذي سيعلق الجرس للقط سيغامر بحياته من أجل الآخرين»… لم يكمل بها، رحمه الله، قصة الفئران مع القط لكن المعنى ظهر. جل النخب تتحدث عن الإصلاح، لكن لا أحد فيها يستطيع أن يعلق الجرس للفساد… هؤلاء كان بها يسميهم النخب المعطوبة.

مات بها وبقيت آثاره فوق العقل السياسي للعدالة والتنمية. حكيم «البي جي دي» هو المنظر الأول للخط الفكري والسياسي الواقعي لإسلاميي الحكومة، وهو الذي صاغ عبارة: «الإصلاح في المغرب يحتاج إلى التعاون لا إلى الصراع، لأن الإنسان في خطاطة التعاون يجلب أفضل ما لديه، لكنه في خطاطة الصراع يشهر أسوأ ما فيه»، وهو القائل: «في التعاون هناك تدافع بين الأفكار والبرامج، أما في الصراع هناك لعبة إقصاء للأشخاص قبل البرامج. منذ الاستقلال والمغرب يعاني ورطة كبرى، وهي أن الذي يدافع عن الإصلاح يقف على أرضية الصراع مع النظام، والذي يدافع عن النظام يقف على أرضية الفساد والريع وأخذ ثمن مساندته للحكم، والحل هو نخبة سياسية جديدة تدافع عن النظام وتقبل به، وتدافع عن الإصلاح وتناضل من أجله».

هكذا كان الحكيم يقرأ التاريخ السياسي الحديث للمغرب، حتى وإن لم يكن مؤرخا، فما كان يهمه ليس كتابة التاريخ كما جرى، لكن وضع أسس منهج سياسي واقعي للإسلاميين الذين كانوا مرفوضين من قبل الدولة، إما بسبب راديكاليتهم، أو بسبب ثقلهم الشعبي، أو بسبب استثمارهم الناجح لمرجعية المجتمع والدولة، الإسلام، الذي يشتركون مع الملكية في استغلال معين مشروعيته الذي لا ينضب. كان المهندس الزراعي عبد الله بها يحلم بأن يغير التربة التي تنبت فيها الممارسة السياسية، وأن يجد معادلة سياسية لنخبة جديدة تتصالح مع النظام دون أن تتخاصم مع الشعب، وتدير السلطة دون أن تتلوث بمصالحها وامتيازاتها وريعها.. نخبة تُمارس السياسة وعينها على مرجعية رأى الراحل عبد الله بها أنها من ثلاثة أعمدة: أولا، المرجعية الأخلاقية والسلوكية للإسلام الذي يؤطر سلوك أتباعه. ثانيا، «المعقول» الذي يلخص عند المغاربة النزاهة والصدق والعدل والشفافية وقول الحق. هذا المعقول، الذي لا مرادف له في اللغات الأخرى، يعرفه الأمي والمتعلم، البدوي والمديني. وثالثا، الفعالية في الميدان، وثقافة الإنجاز والاحتكام إلى المؤسسات، والتدرج في العمل.

نجح بها وبنكيران والعثماني والرميد ويتيم وآخرون في تطبيع علاقتهم بالدولة التي لم تَر بدا من استدعائهم لتشكيل الحكومة خوفا من رياح الربيع العربي، لكنهم اليوم أمام امتحان أصعب هو دفع الدولة إلى تطبيع علاقتها بالديمقراطية، ورفع يد التحكم عن اللعبة السياسية، وترك عجلتها تدور حسب قانون العرض والطلب في سوق الانتخابات الحرة والتنافسية.

مدرسة الواقعية السياسية كما نظر لها الراحل عبد الله بها، وطبقها عبد الإله بنكيران، واتبعها حزب العدالة والتنمية، أمام امتحان كبير اليوم ونحن على حافة غروب الولاية الحكومية، حيث تبدو حصيلة الإصلاحات السياسية والحقوقية ضعيفة جدا مقارنة بالإصلاحات الاجتماعية الاقتصادية، التي تبقى هي الأخرى قابلة لتراجعات كبيرة مادامت مؤسسات السلطة وآليات الحكم تدور على منوال حليمة التي ترجع كل مرة إلى عادتها القديمة.

مع هذا الامتحان الذي يتعرض له نهج الواقعية السياسية، كما يطبقه عبد الإله بنكيران، فإن استحضار سيرة الرجل في ذكرى رحيله تظل موعظة مغربية للسياسة في هذا البلد. عاش عبد الله بها ومات زاهدا في الدنيا، صابرا على البلاء، قابضا على نهج الإصلاح ما استطاع المرء إليه سبيلا. كان رجلا متدينا يعرف قيمة الديمقراطية، وسياسيا محافظا يؤمن بالتغيير، ومناضلا في الميدان لم يهجر الكتاب والقراءة والتعلم. كان رجلا بدون خصوم، وعضوا في الحزب لم يسع يوما إلى إرضاء قاعدة الجمهور، لم يكن دينامو في الميدان، لكنه كان عقلا يشتغل في السياسة والدين. كان يجمع ولا يفرق، يتكيف مع الظروف ولا يذوب مع الإكراهات. عاش بسيطا ومات دون أن يملك شيئا فوق الأرض، لكنه ترك بصمات لن تمحى.. هي ذي سيرة الحكماء وأولياء الله الصالحين.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الورزازي منذ 5 سنوات

هل تعلمون ما الذي تقوم به الفئران في المغرب حين يتشجع أحدها و يتقدم لمهمة تعليق الجرس؟ إنهم يربطون الفأر الشجاع بنفس الجرس و يخبرون القط باقتفاء مصدر الصوت.. ليتخلصوا جميعاً من شجاعة الفأر و ضوضاء الجرس

أسامة منذ 5 سنوات

مقال أنيق وحرفي بامتياز

moulay منذ 5 سنوات

ياله اخويا بادر ماكاين ماحسن منك انهض وبادر ، وبارك من الإنتفاد الخاوي و الفضفاض

الجرداني لطيفة منذ 5 سنوات

قد نعرف ولانعرف الا القليل احببناه لسمعته ووسطيته فنعم ماترك ونعم الماءال عشت حيا ومت حيا تغمد الله روحك الطيبة ............

elfattani mohammed منذ 5 سنوات

سي بها رجل مسلم مغربي حر و أصيل ألقى الله له القبوول في الأرض. توفيق بو عشرين و جريد ة أخبار اليوم شرف وفخرللصحافة المغربية .

khali منذ 5 سنوات

والنتيجة هي: لا شيء لماذا لان المغاربة لا يتوفرون سوى على المعطوبين بمن فيهم المرحوم والحي معا لا يوجد من بين من يتولون امورهم من يعلق الجرس لا يوجد ولن يوجد سواء من بين النظام او الاشتراكيين او البيجيديين او من بين عتاة الفاسدين والافساديين كل انجاز المرحوم بها هو هذا الكلام الانشائي الذي يسميه المعقول وهذا السلوك المتهافت الذي تسميه اللاصراع كان الاصلاح ينجز باللاصراع اين يحدث هذاٍ؟ في المريخ؟ يكفي النظر الى حصيلة هؤلاء لا شيء بالمطلق اعرف ان الناخبين في (المغربوقراطية) يصوتون عليهم لان المغاربة يحبون الفساد ويعشقونه هذا المقال كتبه الصحفي في العام الماضي موردا القصة القطية نفسها ( تاملوا رجاء هذا الانجاز النظري العظيم الذي ابدعه المرحوم ولكم يبين القصة هذه تواضع الفكر وبساطة التقبل تصوروا اننا مطالبين بالعودة الى عهد الاولياء الصالحين يا سلام على فلسفة الاصلاح المرتكزة الى احسن النظريات نظرية المعقول والله عشنا وسمعنا

السعيد اليقوتي منذ 5 سنوات

وأنا أقرأ هذا التعليق الرائع من صحافي متمرس وجريء ،أكن له كلا التقدير والإحترام،انتابني شعور وتساؤل في نفس الوقت،مع استحضار قصة(جزاء سينمار)،هل محاولة هذا الرجل الحكيم،تعليق الجرس،هي سبب وفاته؟

marocain منذ 5 سنوات

نعم الرجل٠ رحمه الله٠٠٠

ياسين منذ 5 سنوات

نطقت فأوفيت الرجل حقه هو من أبرز رجالات المغرب في الأونة الأخيرة و في قصة القط والفئران اعطى درسا لمن يريد الإصلاح في المغرب وثمن هدا الإصلاح غالي جدا و شكرا هلى المقال الأكثر من رائع

محمد ناجم منذ 5 سنوات

محمد : أنت جلست معه مرة أو مرتين وتقول فيه هذا الكلام الراقي فماذا عسانا نقول نحن الذين عشنا معه وتربينا على يديه الكريمتين حسبنا الله.

M.KACEMI منذ 5 سنوات

"لكنهم (بنكيران ورفاقه) اليوم أمام امتحان أصعب هو دفع الدولة إلى تطبيع علاقتها بالديمقراطية، ورفع يد التحكم عن اللعبة السياسية": أرفع لك القبعة السيد بوعشرين، لكونك، وفي حدود علمي، أول من نسب التحكم إلى مصدره الفعلي، دون الاختباء وراء تلك العبارة الصورية التي غدا البعض يتجنب من خلالها مواجهة الحقائق كما هي، أي عبارة "الدولة العميقة" ، وكأن لنا دولتين على تراب واحد!!. وبخلفية مجازية، أقول أنك وفي هاته بالضبط، كنت ال" فرفر"

الراحل عبدالله اكادير منذ 5 سنوات

ياسلام لوقام رفقاوه في حزب العدالة من ترجمة افكاره الي الواقع وساروا في نفس النهج ولا يخشوا في محاربة الفساد لومة لايم

aziz alami منذ 5 سنوات

انتهى الكلام.

محمد منذ 5 سنوات

مات الحكيم ؟؟؟؟

El Bakkali منذ 5 سنوات

مقال يعبر عن علو كعب. صحفي مهني

عزوز منذ 5 سنوات

انتبهوا إلى كلام هذا الحكيم بها رحمة الله عليه، وفعلا كان حكيما... وانتبهوا إلى حق الواجب الذي يؤديه هذا الصحفي الرشيد الوفي بوعشرين

عبد الله منذ 5 سنوات

ماشاء الله عليك،مقال به عرفت هذا الشخص.رحمه الله،

Dr. Mostafa منذ 5 سنوات

Bien dit Mr. Bouachrine

فضول منذ 5 سنوات

جزاك الله خيرا السي توفيق... نطقت بكلام رزين يبين على علو كعبك و جودة أخلاقك...

Abd. منذ 5 سنوات

Great article my friend...

مصطفى منذ 5 سنوات

مقال رائع في حق شخص إستثنائي..حبدا لو يتفهم المتشدقون بالدمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان بأن بها رحمه الله بأفكاره يعد مرجعية لهم بحكم نيرة أفكاره ونجاعتها

التالي