أكاديمية المملكة تنفض عنها الغبار وتطل على إفريقيا من نافذة الثقافة

08 ديسمبر 2015 - 16:40

في الوقت الذي سجّل المغرب عودة قوية نحو إفريقيا منذ سنوات، تحركت أخيرا أكاديمية المملكة نحو نفس الهدف، حيث خصصت دورتها الثالثة والأربعين للقارة السمراء، وجعلتها “أفقا للتفكير” على مدى أربعة أيام، تستضيف خلالها مفكرين ودبلوماسيين وباحثين مغاربة وأفارقة.

عبد الجليل الحجمري، أمين السّر الدائم للأكاديمية، يبدو مستوعبا لهذا الوضع، وتمنى أن تكون هذه الدورة “فرصة للتجديد والانبعاث في عمل أكاديمية المملكة”، وأضاف أن عصر الأكاديميات المغلقة ولى، و”أصبح الحق في المعرفة غير منفصل تماما عن الحق في التنمية”، وأوضح أن المعرفة لم تعد حكرا على النخبة، بل أصبحت حقا للجمهور، من جامعيين وباحثين وطلبة.

وقال الحجمري، المُعيّن حديثا على رأس هذه المؤسسة التي يعود تأسيسها إلى سنة 1977، “عندما تضع أكاديمية المملكة إفريقيا في قلب التفكير فلأن مجمل التقارير تتوقع أن تكون هذه القارة هي المحرك الآتي للاقتصاد العالمي”.

وعلى غرار النقد الذي يوجهه الملك محمد السادس إلى سياسات دول الشمال نحو إفريقيا، كونها لم تتخل عن خلفياتها الاستعمارية بعد، قدمت رحمة بورقية، عضو أكاديمية المملكة، ورقة علمية وضعتها الأكاديمية كورقة إطار للدورة 43 بعنوان “إفريقيا أفقا للتفكير”، دعت فيها إلى تجاوز المنظور الفكري “الذي ساد لفترة طويلة من الزمن، وضع هذه القارة خارج الزمن وعلى هامش الحضارات”، ووصفته بالمنظور الذي وضع لإفريقيا “قوالب جاهزة”، تصنفها حصريا في خانة القارة التي تعاني من الفقر والمجاعة والأمراض المزمنة والاضطرابات السياسية والصراعات الإثنية والدينية.

ودعت بورقية إلى تجاوز المنظور الذي ينظر إلى إفريقيا من زاوية “ترابية الأعراق والثقافات”، إلى منظور بديل “يجعل منها عنصرا فاعلا بين الأمم داخل مسيرة العالم المعاصر”.

واعتبرت عالمة الاجتماع المغربية أن عمل المؤرخين الأفارقة خلال مرحلة ما بعد الاستعمار “أقر بأن إفريقيا تصنع تاريخ الجنوب داخل تاريخ العالم”. في الوقت الذي “ساهم فلاسفة أنجبتهم الأرض الإفريقية، ومنحتهم المعرفة المعاصرة العدة المنهجية والمسافة المعرفية، في إنتاج فكر متميز ذو أبعاد حداثية وكونية”.

وأكدت بورقية أنه بعد خروجها من الاستعمار أو “من الليل الطويل أضحت تفرض الكلام والتعبير عنها، ولم تعد إفريقيا مجرد ميادين لتقارير استكشافية اثنولوجية، أو كتابات تحن لمجتمعات تعيش خارج الزمن، أو خزانا لقوة بشرية عاملة رخيصة تصدر السواعد لسوق المتروبول”، وإنما افريقيا “كيان يتجاوز مليارا من السكان، يعيش في قلب عالم مضطرب ويعبُر التاريخ برهانات مجتمعية وتحديات يواجهها”.

وفي نظر بورقية فإن إفريقيا ما بعد الاستعمار خرجت من قهر مزوج؛ قهر جرد الإنسان الإفريقي لمدة طويلة من إنسانيته، حين هيمنت أطروحة التمييز بين الثقافات والأعراق، وقهر آخر انتزع ثرواته الطبيعية بنقل قيمتها المضافة إلى ما كان يعتبر مركز العالم، “ولم تتجاوز إفريقيا ذلك إلا بالتحرر المؤلم من قيود الاستعمار”. وأكدت كذلك أن مرحلة ما بعد الاستعمار أفرزت اتجاهان فكريان في بناء الوعي الإفريقي: اتجاه دعا إلى “الزنجية الإفريقية”، ورافع عنه “ليوبولد سنغور”، الذي دعا إلى الخصوصية الثقافية الإفريقية، والاتجاه الثاني دافع عن الوحدة السياسية لإفريقيا جنوب الصحراء في شكل كيان فيدرالي، كان الشيخ “أنتا ديوب” أحد المدافعين عنه.

وعن الأفق الذي تتصوره بورقية لهذه القارة، في سياق العولمة، أكدت أن بناء أسس جديدة لإفريقيا يقتضي الاستفادة من فكر العولمة الابتكاري، من أجل وضع نموذج تنموي جديد يساهم في تحرير الإنسان من الفقر، الأمر الذي يتطلب قيادة سياسية كفأة، ومجتمع مدني فاعل، يقودان المجتمع نحو العدالة الانتقالية، والانتقال السياسي، والتنمية البشرية، من أجل التغلب على الإكراهات الصعبة التي تقف في وجه رفاهية إفريقيا. وأكدت أن معالم هذه التوجه بدأت تظهر في بعض البلدان الإفريقية، ربما في إشارة إلى المغرب، رغم كل العوائق.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي