حتى المليارات «تحرگ»...

14 ديسمبر 2015 - 22:00

في المغرب مفارقة عجيبة.. الغني والفقير يحلمان بالهجرة إلى الخارج، والغني والفقير «يحركان» أو يحلمان بالعيش في أوروبا وأمريكا… يكمن الاختلاف في الطريقة التي يفر كل واحد منهما من بلده ووطنه ومسقط رأسه.. الفقير يهرب إلى الخارج بطرق شرعية وغير شرعية، يبحث عن زواج أبيض من ابنة العائلة المهاجرة، أو زواج مصلحة من عجوز بيضاء تبحث عن إنعاش فراشها بشاب من الجنوب. الفقير يستعين بـ«الباطيرا» يحرك بها إلى الضفة الأخرى، أو يشتري عقد عمل للانتقال من الجحيم إلى النعيم المتوهم. الغني يفعل الشيء نفسه مع اختلاف بسيط.. إنه يرحل ثروته أو جزءا منها إلى الخارج، ويبقى هو في البلد قابضا على جواز سفره، مستعدا، في أي لحظة، للالتحاق بماله في الخارج. بعض الأغنياء أو القادرين على دفع آلاف الأوروهات يستخرجون أوراق إقامة في الخارج وهم مقيمون في المغرب مؤقتا، وبعضهم يشتري جنسية كندية أو يحمل زوجته للولادة في أوروبا أو أمريكا حتى يكبر الصغار وفي جيوبهم جواز سفر أجنبي.

مناسبة هذا الحديث هو التقرير الحديث الذي صدر الأسبوع الماضي عن منظمة النزاهة العالمية (GFI)، الموجود مقرها في واشنطن، والذي يتحدث عن «فرار» أربعة ملايير دولار من المغرب كل سنة، حيث فقد اقتصاد البلاد أكثر من 40 مليار دولار في العشر سنوات الأخيرة، وبهذا استحقت المملكة عن جدارة المرتبة 34 عالميا، والثالثة إفريقيا، والخامسة عربيا في تهريب الأموال. وقال التقرير إن أغلبية هذه الأموال المهربة تخرج من ثقب التلاعب بالوثائق والمعاملات التجارية، حيث يتم تضخيم فواتير الاستيراد لكي يجري الإبقاء على جزء من هذه الأموال في الخارج، أو يتم تخفيض القيمة المصرح بها من الصادرات، حيث يجري الاحتفاظ بجزء من المال في الخارج. هذا، طبعا دون الحديث عن التهريب التقليدي للمال عبر الحدود والمطارات، حيث يجري تحويل الدرهم إلى عملة صعبة في السوق المحلي ثم إخراجها في حقائب إلى الخارج، والبحث عن وسطاء لإدخالها في النظام البنكي المتشدد في أوروبا وأمريكا.

ما الذي يدفع الأثرياء والطبقات الوسطى العليا إلى إخراج جزء من ثروتهم إلى الخارج، والبحث عن موطئ قدم في أوروبا وأمريكا؟ دعونا نستبعد أولا الأموال المتحصل عليها من أنشطة غير مشروعة (مخدرات، رشوة، تهرب ضريبي، سرقة، إرهاب…). هذه الأنشطة الإجرامية تبحث عن أماكن لإخفاء مصدر ثرواتها في الخارج، ولهذا وجب وضع قيود على حركتها ومطاردة أصحابها وتطبيق القانون.

نحن نتحدث هنا عن الأموال المتحصل عليها من طرق مشروعة لكن أصحابها يفضلون وضعها في بنوك الخارج عِوَض حسابات في الداخل.. هؤلاء أنواع؛ فيهم من لا ثقة له في استقرار البلد، ويطبقون بالحرف القاعدة التي تقول: «الرأسمال جبان»، ومنهم من لا يطمئن على سلامة ممتلكاته في الداخل، لأن يد السلطة طويلة ويد القضاء قصيرة، وهو يخشى عادة قديمة كان يستعملها المخزن مع الأتباع والأعداء على السواء، وهي «التتريك» بطرق خشنة أو ناعمة، ومن هؤلاء الذين يختارون تهجير أموالهم إلى الخارج من لهم مشاكل مع قوانين الصرف التي وضعها الاستعمار الفرنسي، وبقيت إلى اليوم تكبل حركة الرأسمال المغربي ونشاطه في الداخل والخارج، دون مراعاة للدستور والحقوق التي يقرها (جل القيود الموضوعة على الصرف وعلى نشاط المغاربة في الخارج هي عبارة عن قرارات إدارية ومذكرات وضعها مكتب الصرف دون قانون ولا برلمان ولا حتى مراسيم لوزراء المالية).

الكلام الذي قاله رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران, في البرلمان قبل أسابيع، من أنه متأكد أن شركات التدبير المفوض تخرج جزءا من أرباحها خارج المغرب بطرق غير مشروعة، جاء تقرير منظمة النزاهة المالية العالمية ليؤكده، ومع ذلك لا نتوقع أن تتحرك الحكومة لسد هذا الثقب الذي يحرم الميزانية والأبناك والدورة الاقتصادية من مليارات من الدولارات المغرب في أمس الحاجة إليها خاصة في هذه الظروف الصعبة.

لقد تحولت سياسة الصرف في المغرب إلى أكبر مشجع على تهريب الأموال إلى الخارج، وقد حان الوقت لمراجعة هذه الترسانة القانونية المتناقضة مع الدستور، ومع مسطرة التشريع العادي، ومع حركة العولمة وحقوق الإنسان. يجب التفكير في إدماج سياسة الصرف مع السياسة النقدية للبلاد، واعتماد طرق ذكية وليِّنَة للتعامل مع حاجيات المغاربة المشروعة إلى العملة الصعبة في الخارج، حتى لا يضطر بعضهم إلى تهريب الأموال بطرق غير مشروعة.

الباقي كله أجوبة سياسية عن مشاكل الثقة في البلاد، ومستقبلها واستقرارها، وعدالة قضائها، لا حاجة إلى التذكير به.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

محمد منذ 5 سنوات

هذا هو مايحدث لكل الدول العربية ولوقف هذا الامر هو بناء الديمقراطية في هذه الدول لحماية حاضرها و مستقبلها.

M.KACEMI منذ 5 سنوات

في رده في مجلس المستشارين على طلب برفع المساهمة الضريبية لرجال الأعمال، قال بنكيران" رجال الأعمل ماشي عديان. هما أبناء هذا الوطن". لذلك نسأله عن موقفه من بسطاء وضعفاء هذا البلد. هل لما أطلق عليهم نار ارتفاع الأسعار التي ستلتهب أكثر سنتي 2016 و2017 "عديان"؟. هل الموظفون الذين ينوي التقليص من معاشاتهم بشكل مضاعف مع الزيادة في سنوات العمل، دون الرفع منرالأجور، "عديان"؟ من يتحمل التقليص من الدخل دون معاناة، الموظفون أم رجال الأعمل؟ ألا يعلم بنكيران أنه وفي الوضع الحالي، الموظف المغربي يعاني من ظلم صارخ في ما يخص الضريبة على الدخل التي تناهز الثلث من دخله الخام؟ ألا يعلم أن السبب في هذا الوضع هو عدم مساهمة أقوياء هذا البلد بالقدر الذي يتناسب مع مداخيلهم؟ . آسف سيدي بنكيران، لكن سير الأمور معك ومنذ مدة تجعلني شخصيا أقول أنك ومن الناحية العملية، ترضي التحكم، ومواجهتك له منحصرة تماما في الخطاب( الشفوي)

الإدريسي العلمي منذ 5 سنوات

الحل يكمن في إلغاء مكتب الصرف. اتذكر في هذا الصدد ما فعلته مصر في بداية التسعينيات، حيث كان قانون هذا البلد ينص على إنزال أقصى العقوبات بمن يتاجر في العملات الأجنبية او يحتفظ بها خارج المؤسسات البنكية الرسمية، ورغم ذلك كانت تجارة العملة مزدهرة في الشوارع في السوق السوداء، ويتم فيها صرف العملات الأجنبية بنِسَب بسعر مضاعف عن السوق الرسمية. وبين عشية وضحاها قررت الحكومة السماح لكل المصريين والمقيمين من فتح حسابات في الابناك الرسمية المحلية، وحدد حينها سعر الصرف حسب العرض والطلب. وهكذا جلب المصريون الى بلدهم كل اموالهم المودعة في الخارج، وأصبحت مصر تتوفر على قدر كبير من مخزون العملة الصعبة. فرجاء حرروا سعر الصرف في المغرب والغوا مكتب الصرف الذي لم يعد منذ فترة يقوم بمهام إيجابية في الاقتصاد المغربي.

مواطن من تطاون منذ 5 سنوات

ألم تر أخي بو عشرين ان المقاولين الكبار وأعيان البلد بدأوا يوعون ويدركون أهمية الالتحاق بمجلس المستشاربن وذلك ليشرعون لانفسهم قوانين تحفظ لهم رؤوس اموالهم وتنميتها في مشاريع تنموية تزيد وتضاعف من تراكمات ارباحهم حتى اذا ارادوا الحفاظ على رساميلهم السمينة اعترضوا على تضريبها بالضرائب المرتفعة واعترضوا على تشريعات اخرى جديدة حتى لا تلحق أضرارا وخسائر في قيمتها وأهميتها الكبيرة. وقريبا سنرى يا قومنا قوة هذا اللوبي الرأسمالي الذي يعيث فسادا في وطننا ويتحكم حتى في تنميتنا الاقتصادية والاجتماعية ويشرع في قوانيننا المالية والثقافية والاقتصادية، فهذا الاختراق القوي من كل نوع ليس غائبا على ارض الواقع بل نعاينه في كل وقت وحين ونراه بام اعيننا يمرر عبر مشاريع قوانين تحفظ للراسماليين الكبار استثماراتهم المتنوعة لا يستطيع احد مهما اوتي من قوة ان يوقفها، فاذا احسوا بخطورة ما فانهم يلجأون إلى تهريب رؤوس أموالهم إلى الخارج ، فيضطر رئيس الحكومة المسكين بنكيران ان يصدر مراسيم او مشاريع قوانين تحفظ لهم رؤوس أموالهم من أن تمس بأذى او ضرر فكان الشعب المغربي غول او لص يرغب التهامها وسرقتها.

تطبيع مع الفساد منذ 5 سنوات

لا يحسن السيد رئيس الحكومة الا لغة البكاء فهو يعرف الكثير من الأمور لكن يده مغلولة ...اين هي سلطة الدولة لتطبيق القانون وما هو دور الحكومة ورئيسهما اذا لم يكونا قادرين على تصحيح مثل هذه الاختلالات . السيد بنكيران يده طولى الا على الضعفاء الذين فرضت عليهم الزيادات في فواتير الماء والكهرباء والضرائب التي تثقل كاهلهم وعلى الموظفين الذين سيسرق سنوات من حياتهم ليصحح " اختلالات " صناديق التقاعد . لغة رئيس الحكومة هي لغة استسلامية وهي تطبيع مع الفساد وتخل على الدور الذي يجب ان تلعبه الحكومة اتجاه ضمان حقوق الوطن . امانديس وغيرها من شركات التدبير المفوض تراكم المليارات من الاموال وهي ارباح لا تذهب الى خزينة الدولة ... أما التهرب الضريببي فحدث ولا حرج ... اما تهريب الابناء للدراسة في الخارج على حساب ميزانية الدولة ومنهم سياسيونا فذلك امر آ خر

متتبع منذ 5 سنوات

لاول مرة اتفق معك

مواطن منذ 5 سنوات

أقترح على بنكيران أن يجمع جميع الدكاترة والمهندسين والذين يعدون بالآلاف في المغرب ويعجن كل فئة لوحدها لعل وعسى لأن يخرج من الدكاترة 10 يقدرون على تسيير موفقي النقل والنفايات و 10 من المهندسين يقدرون على تسيير مرفق الماء و الكهرباء أما أن يجلس آلاف الدكاترة والمهندسين في مكاتب مكيفة - يتكيفون المالبورو والوينستون - ويأخدون عشرات الآلاف من الدراهم شهريا من أموال الشعب و لا نجد من بينهم من يقدرعلى تسيير مرفق لجمع الأزبال أو مرفق لتسيير الحافلات أو مرفق لاستخلاص الماء والكهرباء فهذا - عار و حشومة آش قراو هاد الناس وشكون قراهم -

التالي