الحل في مكان آخر..

17/12/2015 - 22:00
الحل في مكان آخر..

لم تنزعج داعش من الحلف العسكري الإسلامي الجديد الذي أُعلن في الرياض أول أمس، رافعا راية الحرب على الإرهاب.. الذي انزعج حقيقة من هذا «الناتو السني» هي إيران والعراق وسوريا وحزب الله، ومعهم روسيا الحليف القديم الجديد. هذه الملاحظة تعطينا فكرة عن تعقيدات الوضع السياسي والعسكري في المنطقة، وكيف أن اللاعبين الرئيسيين متفقون على شيء واحد هو اختلاف مصالحهم ورؤاهم وحساباتهم وتكتيكاتهم وأصدقائهم وأعدائهم، فحتى تنظيم داعش، بخطورته ووحشيته، لا يشكل نقطة التقاء بين السعودية وإيران، بين سوريا وتركيا، بين العراق والأكراد، بين دول الخليج وروسيا.
على عجل تشكل الحلف العسكري السني، حتى إن وزراء دفاع الدول المشكلة له لم يلتقوا في اجتماع رسمي لمناقشة الحلف وخططه وتمويله وقائمة أهدافه ومصدر سلاحه، وأسلوب اتخاذ القرار داخل غرفة عملياته، كل شيء تم بالهاتف أو بواسطة المبعوثين السريين، ثم خرج وزير الدفاع السعودي، محمد بن سلمان، لإعلان أول حلف عسكري إسلامي بين 34 دولة، لم تغب عنه سوى إيران وسوريا والعراق وإندونيسيا وأفغانستان والجزائر، وسلطنة عمان التي اختارت سياسة الحياد لأن يدها في الخليج وجيبها في إيران.
الحلف تعبير عن مخاوف سياسية وأمنية سعودية أولا، وخليجية ثانيا، أكثر من كونه ذراعا عسكريا قادرا على خوض حروب ضد داعش، أو ضد بشار الأسد، أو ضد حكام بغداد أو حكام طهران. الحلف السني هذا ليس لدى دوله الـ34 تصور واحد للأمن القومي في العالم العربي أو الإسلامي. جل أعضاء هذا الحلف التحقوا به طمعا في شيكات السعودية، وليس حرصا على تصور استراتيجي لهذه المنطقة في الخريطة الدولية، وجل البلدان الموجودة فيه، باستثناء تركيا ومصر والمغرب وباكستان، ليست لديها جيوش قوية أو مدربة قادرة على خوض حروب بالمعنى الدقيق للكلمة.
الحلف تشكل على عجل لأنه كان ردا مطلوبا، وعلى وجه السرعة، على الاتهامات الغربية التي تصاعدت في وجه السعودية وقطر وتركيا والإمارات والكويت بعد أحداث باريس بالمسؤولية عن تشجيع الحركات الإرهابية في المنطقة، وتجييش السلفية الجهادية السنية كسلاح رادع في وجه الحركات الشيعية المتطرفة المدعومة من إيران. لقد جاء الجواب سريعا من وزير الدفاع الأمريكي الذي رحب بهذا الحلف السني، المطلوب منه عاجلا توفير 100 ألف مقاتل للنزول إلى الأرض من أجل قتال داعش، كما صرح بذلك جون ماكين، مسؤول اللجنة العسكرية في الكونغرس الأمريكي.
لكن مع كل هذه الهشاشة الموجودة في الحلف الجديد، فهو تعبير عن الواقع الجديد، وهذا الواقع يتمثل في أن خرائط سايكس بيكو، التي تعود إلى سنة 1916، انهارت، وأن واقعا جديدا ظهر ومعه ستخضع الخريطة العربية لتقسيمات جديدة، والأمريكيون لا يخفون هذا. جون بولتون، السياسي الأمريكي المحسوب على المحافظين الجدد، كتب، في «نيويورك تايمز» قبل أيام، مقالة يدعو فيها إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دول؛ دولة سنية مكان الدولة الإسلامية التي أعلنها داعش غرب العراق وشرق سوريا، ودولة شيعية في جنوب العراق، ودولة كردية في الشمال. هذا هو الحل الذي يجري تسويقه في مطابخ السياسات الغربية حاليا، باعتبار أن عراقا موحدا صبح مستحيلا، لأنه مع سوريا، أصبحا خلطة سنية شيعية متفجرة، بسبب استحالة التعايش في نظام طائفي أرسى أسسه الاحتلال الأمريكي، وغذته كل الدول الإقليمية لحسابات صغيرة متعلقة بها، والآن المنطقة كلها على حافة الانهيار، وليس فقط سوريا والعراق وليبيا واليمن، حيث انهارت الدولة في هذه البلدان وبقيت الأنظمة تحارب كمليشيات في العواصم فقط.
ليست الحروب ما ينقص المنطقة، وليس السلاح ما تحتاج إليه هذه الرقعة السياسية، وليست طبول الحرب هي التي ستحل المشاكل.. المنطقة بحاجة إلى أكثر من حلف عسكري سني أو شيعي، المنطقة بحاجة إلى تنمية وديمقراطية، وأنظمة حكم حديثة، وعقد اجتماعي جديد ينقذ ما تبقى منها من قدر محتوم… تصوروا أن الدول العربية الموجودة كلها في ورطة اليوم، بهذا الشكل أو ذاك.. جل أنظمتها ولدت في الستينات من القرن الماضي، حين كان عدد سكان المنطقة أقل من 80 مليون نسمة، اليوم يعيش فوق هذه الرقعة الملتهبة 400 مليون إنسان لا يجد حل شبابهم عملا أو أملا في المستقبل.. منطقة، رغم ثرواتها الهائلة وموقعها الاستراتيجي وقاعدتها الشابة، توجد اليوم في أسفل ترتيب مؤشر التنمية البشرية الذي تصدره الأمم المتحدة كل سنة. هل هذا سيعالج بحلف عسكري؟ فحتى لو قضينا على كل الدواعش من ليبيا والعراق وسوريا، فإن دواعش آخرين سيولدون من رحم عربية ولادة للفقر والتهميش والاستبداد والتعصب والعنف…

شارك المقال