توفيق بوعشرين:المسكوت عنه في استراتيجية محاربة الفساد

31/12/2015 - 22:00
توفيق بوعشرين:المسكوت عنه في استراتيجية محاربة الفساد

الفساد مثل السيف، إن لم تقطعه قطعك، وحكومة «صوتك فرصتك لمحاربة الفساد والاستبداد» رفعت الراية البيضاء أمام الفساد طيلة أربع سنوات، كان بنكيران يردد خلالها، بكل صراحة وعفوية، مقولته المشهورة: «لست أنا من يحارب الفساد، بل الفساد هو الذي يحاربني». الآن، وعلى بعد أشهر من نهاية عمر الحكومة، أماط بنكيران اللثام عما سمي استراتيجية وطنية لمحاربة الفساد، تمتد إلى عشر سنوات من 2015 إلى 2025، وكلفتها حوالي ملياري درهم ستصرف على 239 مشروعا.
خطة الحكومة، التي تأخرت أربع سنوات، مبنية على تبسيط المساطر الإدارية، والحد من الوسطاء، وتقوية المراقبة الإدارية والقضائية، والاستعانة بالكاميرات والتكنولوجيا الرقمية، وتنظيم حملات لتحسيس المواطنين بالابتعاد عن تقديم الرشوة، وإدماج ثقافة محاربة الفساد في المنظومة التعليمية. هذه نوايا حسنة وأفكار على الورق، أما الواقع فإنه يحتاج إلى أكثر من الكاميرا والتحسيس وتبسيط المساطر… الحرب الحقيقية على الفساد تتطلب، أولا، إرادة سياسية من قبل الدولة، ووعيا بتكلفة سياسة: «دع الفساد يعمل دع الفساد يمر»، وهي تكلفة قد تعصف باستقرار الدول ومستقبلها، وهكذا أصبحت تكلفة الفساد سياسية وأمنية قبل أن تكون اقتصادية في مجتمعات تدبر الندرة ولا توزع الوفرة.
استراتيجية الحكومة لمحاربة الفساد -مع التحفظ على استعمال كلمة كبيرة مثل «استراتيجية»- لا تعلن الحرب سوى على الفساد الصغير والرشوة البسيطة والفاسدين الأقزام، أما الحيتان الكبيرة والفساد العظيم، والرشوة التي تقاس بنقاط الناتج الداخلي الخام، فلا تقع في مرمى مدفعية هذه الحكومة، لأنها أضعف من أن تواجه حزب الفساد الذي يتوفر على أسلحة فتاكة وحصانة سياسية وقضائية ومادية.
ما هو الفساد؟ هناك اتفاق دولي على تعريف الفساد، كما حددته «منظمة الشفافية الدولية»، بأنه: «كل قرار أو عمل أو سياسة أو قانون يتضمن سوء استخدام المنصب العام، والسلطة الموضوعة في يد شخص أو هيئة، لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية أو عائلية أو فئوية»… هذا الفساد يتخذ عدة أشكال أهمها: الرشوة المباشرة وغير المباشرة، المحسوبية التي تضرب مبدأ تكافؤ الفرص، الابتزاز، أي إجبار المواطنين على دفع مال مقابل الحصول على خدمات مجانية، نهب المال العام عن طريق تحويله إلى الجيوب الخاصة، الوساطة التي تضرب مبدأ المساواة…
ما هي أسباب انتشار الفساد؟ السبب الأول وراء انتشار فيروس الفساد هو عدم الفصل بين السلط في الدول التي تعرف أعلى مستويات نهب المال العام، حيث لا تراقب أي سلطة أختها، والقاعدة هنا هي: «لا يحد من السلطة إلا سلطة أخرى». ثانيا، ضعف القضاء وفساده، حيث إن السلطة القضائية المعول عليها في تطبيق القانون تصبح هي نفسها في قفص الاتهام، وتنخرط في لعبة الفساد تحت إغراء المال أو الخوف من السلطة. ثالث سبب يشجع الفساد على التكاثر والتناسل هو غياب حرية الصحافة والإعلام، وعدم السماح للمواطنين بالوصول إلى المعلومة، والذي يطل على مشروع قانون الصحافة الجديد، وقانون الولوج إلى المعلومات، وواقع التلفزات الرسمية والإذاعات الخاصة والصحف المستقلة وغير المستقلة، يظهر له حجم الخوف الذي يزرعه القانون في نفوس الصحافيين، وكيف يمنعهم سلاح القانون وعصا الإشهار، وسيف القضاة المسلط على الرقاب، من الاقتراب من ضيعات الفساد. السبب الرابع لانتشار الفساد هو عامل خارجي، حيث تفرط الدولة في سيادتها إزاء الشركات الأجنبية للتقرب من حكومات هذه الأخيرة، ولنا خير دليل على ذلك في أزمة «أمانديس» في طنجة مع السلطات العمومية، التي سمحت لشركة «فيوليا» بالدخول إلى قطاع استراتيجي دون إطار قانوني، ودون دفاتر تحملات جدية، ودون رقابة حقيقية، والنتيجة يعرفها الجميع. السبب الخامس وراء انتشار الفساد في المغرب هو أن الدولة عندنا مازالت تعتبر أن توفير قاعدة برجوازية وتقنوقراطية تساند اختياراتها أمر حيوي وضروري، وهذه النخبة المتنفذة في الاقتصاد والإدارة لن تقدم الولاء للدولة «لوجه الله»، ولن تسكت خوفا أو حياء من الدولة، بل إنها تطالب بالمقابل المادي لولائها وانخراطها في اللعبة، وإلا فإنها ستبحث عن مصالحها مع جهات أخرى، فيكون الحل هو السكوت عن فسادها، وإطلاق يدها في المال العام دون حسيب أو رقيب، وهذا ما شجع هذه النخب الفاسدة في عالم البزنيس والإدارة والأحزاب والنقابات على بناء حصون قوية تقيها من الشفافية والقانون والعدالة الاجتماعية، فانتقل الفساد مع الزمن من سياسة الدفاع إلى الهجوم.
هذه هي الأسباب العميقة لانتشار الفساد في المغرب، وهي أسباب لا تنفع معها الكاميرا ولا التحسيس ولا تبسيط المساطر.

شارك المقال