توفيق بوعشرين :«مول المعقودة»

20/01/2016 - 22:15
توفيق بوعشرين :«مول المعقودة»

«لتفادي الإحراج يبقى الجلوس على الكراسي خاصا بالذكور دون الإناث»… هذه هي العبارة التي كتبها صاحب مطعم شعبي في سلا في باب محله، وأشعلت مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة الرقمية، وهو منع، كما ترون، لا يخلو من لباقة، وعقلية ذكورية منغلقة لا تعدم الدبلوماسية في الأسلوب، فهو يخبر الجنس الناعم بأن الجلوس ممنوع عليهن، وأنه مقتصر فقط على الرجال، وكل ذلك لتفادي الإحراج. إحراج من؟
بعد أن قامت القيامة ضد نبيل، الذي أصبح مشهورا باسم «مول المعقودة»، واتُّهم بتحقير المرأة وضرب المساواة، وتشجيع إهانة الجنس الناعم في الفضاء العام من خلال منع الفتيات من الجلوس إلى طاولات مطعمه الشعبي، خرج صاحبنا يوضح «فلسفته» في التعامل مع الاختلاط بين الجنسين على كراسي مملكته الخاصة. قال في تصريح لموقع «اليوم 24»: «لم أتوقع أن تثير هذه اللافتة كل هذا الجدل. لقد كتبت تلك العبارة من أجل ألا يصبح مطعمي مكانا لتجمع أصحاب العلاقات غير الشرعية من القاصرين والقاصرات، قبل أن أفاجأ بتصوير اللافتة خلسة من طرف أحد أعضاء حركة مالي و20 فبراير، دون ترخيص، واستغلال ذلك لإثارة الفتنة والبلبلة».
صديقنا «مول المعقودة» لا يهين المرأة، هو فقط ضد الفتنة، واحتمال أن يكون جلوس فتاة فوق كراسي مطعمه مقدمة لإقامة علاقات غير شرعية مع شاب، هو، إذن، يدافع عن الأخلاق الحميدة، وعن العلاقات الآمنة بين الجنسين اتقاء للشبهات، فحتى إن كان مطعمه ليس مكانا رومانسيا، فكل الاحتمالات واردة.
من الذي أعطى «مول المعقودة» الصفة الضبطية التي تخوله استعمال سلطة منع مواطنة مغربية من الجلوس على كرسي في المجال العام؟ ومن أعطى أخانا هذا حق تغيير ما يراه من سلوك المواطنين منكرا بيده، وأن يتحول إلى شرطي أخلاق يقوم بكل ما هو ممكن من أجل استباق الخطيئة، ووضع مدونة سلوك نموذجية وقيود على حرية المواطنين؟
الذي أعطى «مول المعقودة» كل هذه السلط في وضع القانون وتنفيذه وتنظيم المجال العام وإشهار الأحكام هو المجتمع وثقافته الذكورية وغياب سلطة القانون.
المثير أن تلك اللافتة لم تثر السلطة العمومية والقائد، الذي لا يتحرك شيء في حي السلام كما في باقي الأحياء دون علمه، ولم يزعجه مضمونها، ولهذا لم يتحرك لإقفال المطعم، حتى جاء شباب الفايس بوك وصوروا اللافتة المهينة، ووضعوها في الفضاء الأزرق باعتبار ذلك اعتداء على حرمة المرأة المغربية، وسلوكا متخلفا من رجل لا يحترم إنسانية المرأة، ويفرض عليها استيهاماته الخاصة التي لا ترى فيها إلا موضوعا للجنس، وفتنة متحركة لا سبيل لإيقاف إغوائها إلا بطردها من المجال العام. هذا هو الحل السهل والناجع.
المفاجأة الثانية هي أن السلطة، لما انتشرت لافتة ««مول المعقودة»» في أرجاء الفضاء الفسيح للنيت، عمدت إلى إغلاق المطعم الذي أصبح مشهورا جدا، لكن السبب لم يكن هو تعليق لافتة عنصرية مسيئة للمرأة. لا، السلطة لا تراقب هذا النوع من التجاوزات. السلطة أغلقت مطعم المعقودة لأنه لا يتوفر على رخصة لإعداد وبيع الطعام للمواطنين، وأخونا «المطاوعة/شرطي الأخلاق» لم ير في فتح مطعم دون رخصة مسا بالقانون والصحة العامة وسلامة المواطنين. لم ير في كل هذا معصية قانونية وأخلاقية وتنظيمية، ولا يعتقد في نفسه أن احتمال تقديم وجبة مسمومة لمواطن في مطعم غير نظامي إثم كبير أعظم من جلوس شاب مع شابة حول الطاولة نفسها قد يلعب بهما العشق لعبته.
مفهوم جل الناس للأخلاق ضيق جدا وبراغماتي جدا وانتهازي جدا… يتشبث الجمهور بالقشور ويغفل الجوهر، يعلي من قيمة الأخلاق التي لا تمس مصالحه ووضعه الاعتباري وسلطته، ويدير وجهه للقيم التي لا تخدمه ولا تصب في جيبه وامتيازاته وهيبته.
«مول المعقودة» مجرد نموذج عن التعاطي غير الأخلاقي مع الأخلاق والقيم والدين في مجتمعنا، وعن سيادة الفوضى في المجال العام، وعن عجز الدولة والمجتمع عن حماية الحريات الفردية والجماعية. «مول المعقودة» ابن هذا المجتمع الذي يدار بالمنع والقوة والعنف والإقصاء، وعدم احترام القانون، وعدم القبول بالاختلاف.

شارك المقال