أيها السادة المنتخبون.. ارحلوا!

04 فبراير 2016 - 16:17

نحن (أي فرنسا) واحد من تلك البلدان التي يجري فيها  الإفراط في إعادة انتخاب المنتخبين (وخاصة البرلمانيين)، وواحد من البلدان القليلة التي لا يغير فيها المنتخب بشكل كامل ونهائي «مهنته» بعد هزيمته، وينتظر الاقتراعات المقبلة ليجرب حظه من جديد.

ونتائج هذا الأمر رهيبة: الطبقة السياسية تشيخ وهي في مكانها؛ اليمين ينحرف إلى المحافظة أكثر؛ ويبقى اليسار سجين مفهوم الدفاع عن الأكثر ضعفا الذي يعود إلى قرون مضت.

فجميع هؤلاء يكتفون، للحفاظ على مواقعهم، بالعمل على تلبية رغبات جماعات الضغط الأكثر شراسة والأكثر تجذرا في دوائرهم، دون الانشغال بمصلحة البلاد، فما بالك بمصلحة الأجيال المقبلة.

ولما يقبلون أخيرا ترك الحياة السياسية، بعد ثلاث أو أربع أو خمس ولايات، فإن الأكثر حظا لخلافتهم، على الأقل في الترشيح، هم نوابهم أو مساعدوهم الذين أخذوا يملؤون الجمعية العمومية (مجلس النواب) ومجلس الشيوخ.

ومن النتائج المأساوية الأخرى لهذا الجمود: أولا، عدد قليل من النساء يصلن إلى البرلمان رغم نظام «الكوطات» الذي لا يطبق سوى على الترشيحات؛ ثانيا، في ظل غياب فرص داخل الأحزاب الكبرى المستقرة في الحكم، فإن الشباب الذي يرغب في ممارسة السياسة يستسلم- ليس لدواعي إيديولوجية، بل فقط، لوجود فرص- لإغراءات اليمين المتطرف الذي يقترح عليه لوحده دوائر انتخابية. وإذا لم ننتبه إلى الأمر، فإن التغيير لن يأتي إلا من هنا.

لإصلاح هذا الاختلال يتعين فقط، المصادقة على قانون يحدد مدة انتداب كل البرلمانيين في ولايتين اثنتين لا غير.

هذا الأمر سيحدث تغييرا كبيرا في الحياة السياسية: سيرحل أكثر من نصف البرلمانيين الحاليين، ولن يكون أي من القادمين الجدد، برلمانيا قديما أمضى أكثر من ولايتين قبل تعرضه للهزيمة.

هكذا سيتأكد الجميع أن وضع النائب أو السيناتور لا يمثل مهنة وليس سوى محطة عابرة في الحياة، فضلا عن هذا، إذا ما ضمنا لأجراء القطاع الخاص، الذين سيغامرون بالخوض في السياسة وتمثيل السكان، العودة إلى مقاولاتهم، فإن تشكيلة البرلمان وقراراته ستكون مختلفة تماما عما عليه اليوم. وتستعيد الحياة السياسية معناها الحقيقي.

إن النواب سيقولون إن الوقت يعوزهم للتفكير في هذا الموضوع. وهذه حجة واهية، إذ يمكنهم التفكير فيه وفورا. وحتى لو لم يكن لديهم ما يكفي من وقت حقا، فيمكنهم التصرف بطريقة أخرى: يمكن لكل برلماني على وشك إنهاء ولايته الثانية الإعلان، منذ الآن، أنه لا يعتزم خوض الانتخابات التشريعية وانتخابات مجلس الشيوخ في 2017.

على كل الأحزاب الالتزام، منذ اليوم، بعدم ترشيح نائب أو سيناتور أمضى ولايتين انتخابيتين، في الانتخابات المقبلة، سواء تعلق الأمر بمنتخب أنهى ولايته الثانية للتو أو آخر يريد العودة بعد هزيمة انتخابية جاءت بعد قضائه ولايتين.

وحتى لا يجري تعويض النواب والسيناتورات بمساعديهم الحاليين أو بالقادة المحليين للأحزاب، فيتعين على هؤلاء القادة أنفسهم، ومنذ الآن، تنظيم «انتخابات تمهيدية محلية» لاختيار المرشحين الجدد، تماما كما سيجري على صعيد الانتخابات الرئاسية.. ولا يجب أن يقتصر ذلك الاقتراع التمهيدي على أعضاء الأحزاب، بل يتعين أن يشمل، كذلك، كل المتعاطفين معها.

ويجب بعد ذلك تطبيق هذا المبدأ على كل الاستحقاقات الانتخابية: البلدية والإقليمية والجهوية، على الأقل في انتظار إلغاء واحد من هذه الاستحقاقات.

هل يجرؤ البرلمانيون الحاليون على التصويت على كل هذا؟ لا. بلا شك.. لا قبل الانتخابات الرئاسية ولا حتى بعدها: فآخر ما سيفكر هؤلاء المنتخبون في التخلي عنه هي امتيازاتهم. وبالتالي فـ «ليلة 4 غشت» أخرى (الليلة التي صوتت فيها الجمعية التأسيسية سنة 1789 على إلغاء كل الامتيازات) لن تحل قريبا

ها نحن إذن في مأزق، ولا حل بين أيدينا، لأن أي إصلاح للدستور اليوم، مهما كان موضوعه، يفترض موافقة البرلمانيين (الفرنسيين). ولن يتحلوا، على الأرجح، بشجاعة السيناتورات الإيطاليين الذين سيصوتون على نهاية وجودهم! إن هذا الوضع يجعل القيام بإصلاحات أخرى كثيرة أمرا مستحيلا، مثل تقليص عدد النواب أو السيناتورات أو الجماعات. وبالتالي يتعين التفكير في وسائل أخرى لتعديل الدستور دون الحاجة إلى موافقة أولئك الذين ستكون مصالحهم في خطر.

لبلوغ هذه الغاية، لا يتبقى، في ظل الوضع الحالي، سوى «الانقلاب»، كما حدث في 1958. فهل يتحلى المنتخبون بما يكفي من حس المسؤولية حتى يجنبوا البلد هذا الأمر؟

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.