بمجرد أن صعدت إلى سيارة الطاكسي السوداء التي تشبه السلحفاة حتى بادرني عمر بالسلام.. شاب يبلغ من العمر 32 سنة، سائق طاكسي في لندن، أمضى 10 سنوات في بريطانيا. قدم من البيضاء إلى عاصمة الضباب للدراسة، لكن ظروفه كانت أقوى منه، فخرج باكرا للعمل، وهو الآن غير نادم على شيء، أصبح مواطنا بريطانيا له كامل الحقوق. شهيته مفتوحة للحديث في السياسة والاقتصاد والثقافة هذه الليلة. بمجرد ما تعرف علي من خلال مطالعته موقع الجريدة على النيت حتى فتح معي كل الموضوعات التي تشغله، وقد فوجئت بدقة معلوماته عن بلده الأصلي، وقدرته على متابعة يوميات السياسة في الرباط.
هنا أنقل جانبا من الدردشة بين صحافي وسائق طاكسي في لندن، وهي دردشة تعطي فكرة، من جهة، عن التطور الكبير الذي يعرفه اهتمام الجالية المغربية حول العالم بالمغرب، ومن جهة أخرى تقدم هذه الدردشة صورة حكومة بنكيران في مرآة مغربي/بريطاني يعيش في عاصمة عالمية لكن اهتمامه مغربي وهمومه مغربية.
سألني عمر: «هل ستسمح الحكومة لمغاربة العالم بالمشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة كما وعد الملك في خطاب رسمي؟»، قلت له: «لا أظن ذلك. الموضوع لم ينضج بعد، والذين يستعجلون مشاركة مغاربة المهجر في التمثيل البرلماني جلهم ‘‘باغي يدبر على راسو فقط’’. هل تقبل أنت، مثلا، أن تمثل مغاربة إنجلترا في البرلمان المغربي مقابل 32000 درهم، وأن تنتقل مرتين أو ثلاث مرات إلى الرباط كل شهر لطرح سؤال شفوي على وزير، أو لحضور أشغال لجنة برلمانية؟ هل ستغادر عملك لكي تأخذ أجرا لن يكفيك لأداء فاتورة الطائرة والفندق والهاتف والطاكسي إلى المطار؟». رد دون تفكير: «لا، أنا لا أقبل بهذا»، فقلت: «هل تعرف كم هي نسبة المهاجرين المغاربة الذين شاركوا في الاستفتاء الأخير على الدستور؟ إنهم لم يتجاوزوا نسبة 2٪!».
علق عمر: «نحن مغاربة الهجرة أو ‘‘الزماكرية’’، كما تقولون عنا، لا نريد شيئا من المغرب. نحن فقط نحب أن نرى بلدنا يودع التخلف والتسلط والحكرة، وأن يرفع المغاربة رؤوسهم بين الشعوب، وأن يتحقق العدل والمساواة بين المواطنين، وأن يثق الناس في الدولة وفي القضاء وفي الشرطة. هل تعرف أن البريطانيين، صغارا وكبارا، يحبون رجال ونساء الشرطة؟ لم أعرف هذه الحقيقة إلا حديثا من ابني الذي يدرس هنا في بريطانيا، حيث كنت أتفحص صور هاتفه المحمول، فوجدت عنده صورة مع شرطي بريطاني هو وزملاؤه، فسألته: ‘‘هل تعرف هذا الشرطي؟»، فقال: لا، فقلت ‘‘ولماذا تحتفظ بصورته في هاتفك؟’’، فقال لي ‘‘إني أحب رجال الشرطة لأنهم يحموننا ويلاحقون الأشرار ويساعدون الشيوخ’’… بقيت أفكر -يقول عمر- في هذه الجمل طيلة اليوم، وأقارن الصورة التي كانت لدي عن الشرطة في الحي المحمدي، حيث ولدت وترعرعت. كنا نخاف رجال الشرطة ونلقبهم بالحناش (الثعابين)، وكنا نتوقف عن لعب الكرة عندما يمر شرطي أو حتى مخزني، وكنا نردد نكتا ‘‘تقتل من الضحك’’ عن المخزني وصورته السلبية في عقولنا، وكل هذا كان مجرد صورة مصغرة عن علاقة المغربي بالسلطة، وهي علاقة طابعها الخوف والتوجس وعدم الإحساس بالأمن».
من الأمن انتقلنا إلى السياسة، فسألني سائق الطاكسي المغربي: «أين وصل بنكيران مع التماسيح والعفاريت؟»، وقبل أن أجيب أضاف إلى سؤاله ملاحظة ذكية، قال: «لدي عدة مقاطع فيديو في الهاتف من خطب بنكيران.. إنه سياسي من طينة خاصة، وبقدر ما هو عفوي وجريء في الخطاب مع الشعب، فهو مهادن وخواف مع الكبار ومع أصحاب النفوذ والقوة». سألته: «ماذا كنت تنتظر من بنكيران وخيب ظنك فيه؟»، فرد: «كنت أنتظر منه، وقد جاء على ظهر انتخابات ‘‘نزيهة شوية’’، أن يخلصنا من تلفزات العرايشي المتخلفة، مثلا، والتي لا تعكس الصورة الحقيقية للمغاربة. كنت أنتظر منه أن يصلح عقلية الإدارة، وأن يجعلها في خدمة المواطنين، لا أن يبقي المواطن في خدمة الإدارة. كنت أنتظر منه أن يوفر مناصب شغل أكثر للشباب، فجل أصدقائي في كازا عاطلون عن العمل، ولا يبدو أن أحدا في الحكومة يفكر فيهم وفي مشاكلهم. كنت أنتظر منه أن يغير طريقة إدارة المدن في المغرب، حيث لا الوالي المعين ولا العمدة المنتخب ‘‘فيهم الربح’’.. انظر حولك، هل في المغرب شارع واحد مثل ما هو موجود هنا في لندن؟ أنا أعرف الفرق في التاريخ والجغرافيا بين بريطانيا والمغرب، لكن هناك أمورا بسيطة يمكن القيام بها لتسهيل حياة الناس وتنقلهم وجودة العيش في بلادهم. هنا اللندنيون يحاسبون العمدة حسابا عسيرا، وكل مسؤول يأتي يترك بصماته على المدينة، قل لي ماذا ترك ساجد من بصمات في كازا، وقبله عشرات آخرون مروا من المنصب ذاته ولم يتغير شيء من حولهم غير وضعهم المادي وحسابهم البنكي. المدينة تعج بالفوضى، والنقل كارثي، والأمن في يد الله، وكل شيء عشوائي في مدينة عشوائية. في الصيف الماضي نزلت إلى المغرب وقد صدمني منظر حافلة بدون نوافذ تقل المواطنين وتعرض حياتهم للخطر. أصبحت الدار البيضاء مثل سيرك مفتوح على الإثارة والمخاطرة والألعاب البهلوانية، لكنها ألعاب حقيقية».
انتبه عمر إلى صمتي فقال: «لماذا لا تعلق؟»، قلت: «أنا أحتاج إلى سماعك أكثر من حاجتي إلى الكلام، وأظن أني وصلت إلى وجهتي»، فقال لي: «مع السلامة، وتعليقك سأقرؤه في عمودك بالجريدة». قلت: «ربما»، وانصرفت وأنا أفكر في هذا الذي سمعته من سائق طاكسي لخص مشاكل المغرب في 15 دقيقة، هي عمر الرحلة من شارع أوكسفورد ستريت إلى ساحة بيكادلي.