مشاريع ملكية

05 فبراير 2016 - 22:00

أعطى الملك محمد السادس، يوم أمس، إشارة افتتاح مشروع «نور1» في ورزازات، وهو مشروع طموح واستراتيجي يهم الأمن الطاقي للمغرب على امتداد 30 سنة إلى الأمام، وفوق هذا فهو مشروع طاقي نظيف يستغل الشمس الساطعة في الجنوب، ويحولها إلى طاقة كهربائية قابلة للاستعمال على طول خريطة البلاد، فعلى مساحة 45 مليون متر مربع انتصبت نصف مليون مرآة عاكسة لنور الشمس من أجل الحصول على 160 ميغاوات من الكهرباء، وبنهاية الشق الثاني والثالث والرابع من المشروع سنة 2020 سيضيء كهرباء النور الآتي من ورزازات مليون منزل مغربي، وسيغطي %42‏ من حاجيات البلاد من الكهرباء في مغرب يستورد %94 من حاجاته الطاقية من الخارج. الجزء الأول من محطة نور كلف 600 مليون أورو.

مشروع الطاقة النظيفة، مضاف إليه مشروع تنمية الصحراء، وقبله مشروع النهوض بالمجال الصناعي، وقبلهما مشروع المغرب الأخضر… كلها مشاريع عملاقة كلفت مليارات الدراهم من جيب الميزانية، وهي تفتح العقل المغربي على نمط جديد من التخطيط التنموي، ومن استشراف المستقبل، ومن تجاوز عمر الحكومات الصغير الذي لا يتناسب مع العمر الطويل للأوراش الكبرى، علاوة على أن هذه المشاريع تضمن الاستمرارية، وتسهل الالتقائية المفتقدة في جل مشاريعنا.

هذا هو النصف المملوء من الكأس في هذا الموضوع، النصف الفارغ هو أن هذه المشاريع الكبرى لا تحظى بالتقييم ولا المراجعة ولا المحاسبة، وتظل مشاريع تحظى بحصانة غير مفهومة، ويصبح أي اقتراب منها، من قبل البرلمان أو الصحافة أو المجلس الأعلى للحسابات أو الأحزاب، بمثابة تشكيك في المشاريع الملكية، وتشويش على المبادرات السامية. إذ يحاول البعض توظيف الطابع الملكي على هذه المشاريع من أجل الإفلات من المحاسبة ومنع مؤسسات الدولة من دخول هذا الحقل بدعوى أنه مشمول بالرعاية.

انظروا، مثلا، إلى المخطط الأخضر الذي وضع سنة 2008 ويصرف عليه المغرب حوالي سبعة مليارات درهم كل سنة.. هذا المخطط لم يعرض على التقييم إطلاقا من يوم ولادته إلى الآن، ولم يقترب منه المجلس الأعلى للحسابات، ولا يحظى بنقاش عمومي عميق وجدي حول نتائجه على الفلاحة والفلاحين، وطرق تنزيله وأساليب توزيع أمواله. كل ما هناك أن المشروع يحظى بالكثير من التسويق السياسي والقليل من التقييم العلمي. الشيء نفسه ينطبق على المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي تتكفل بإدارة مشاريعها وزارة الداخلية.. هذه المبادرة التي ولدت سنة 2005 «تخضع لتقييم كاريكاتوري» من قبل مرصد تابع للوزارة نفسها، أي أن الداخلية هي التي تقيم أداءها. «من يشكر العروس؟ أمها وخالتها والجارة الطيبة»، كما يقول المثل.. هذا هو حال INDH.

مرة التقيت أحد الباحثين في مكتب دراسات كُلف من قبل المرصد الوطني، المكلف بتتبع مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بإنجاز دراسات حول مشاريع اجتماعية صغيرة، وكنت مهتما بمعرفة النتائج على الأرض لهذه المبادرة الطموحة، وبعد ثلاثة لقاءات مع هذا الخبير قدم لي بعض النتائج الصادمة عن مشاريع للتنمية البشرية لم تنمِّ شيئا، وأعطاني نموذجا عن هذه المشاريع التي كانت تحمل عنوان مشاريع مدرة للدخل، وكان مضمونها كالتالي: توزيع قطعان صغيرة من الماشية على فقراء منطقة نائية في الأطلس المتوسط بغية تربيتها، وبيع حليبها من أجل الحصول على دخل قار، فماذا كانت النتيجة بعد سنة؟ رجع المسؤولون عن المشروع إلى القرية فلم يجدوا إلا جلود الماشية يفترشها الصبيان أثناء نومهم، ولما سألوا القرويين: «ماذا حل بقطعان الماشية؟»، كان الجواب كالتالي: «لقد أعطيتمونا بضعة رؤوس من الماعز من أجل إنتاج الحليب وبيعه في السوق -الله يجازيكم بخير- لكن هل تعرفون أن أقرب سوق أسبوعي إلى قريتنا يبعد 20 كيلومترا من هنا، وأننا لا نملك ثلاجات ولا طاقة كهربائية للاحتفاظ بمحصول الحليب لبيعه بعد مرور أسبوع كامل… لقد تحول قطيع الماعز إلى عبء علينا خاصة عندما تسقط الثلوج، ونصير محاصرين لأشهر، فهل نوفر الزاد لأبنائنا أم للماعز الذي لا يستطيع أن يرعى في جبال مكسوة بالثلوج؟ لقد ذبحنا الماعز وأكلنا لحمها لأننا لا نقدر على تغذيتها ثلاثة أشهر كل سنة». الخبير علق على هذه الحكاية الصغيرة بالقول: «إن الذي يخطط للمشاريع الاجتماعية في المكتب أو على الورق لا يعرف طبيعة الأرض والإنسان والجغرافيا، والذي فكر في مشروع إنتاج الحليب وبيعه كان عليه أن يفكر أولا في ربط القرية بالطريق الذي يفك العزلة عنها، وأن يفكر في سبل تسويق الحليب كل يوم، وأن يوقع اتفاقية مع مركز الحليب لكي يبعث شاحناته لجمع الحليب من القرى التي تربي ماعز التنمية البشرية، وأن يفكر في علف هذه الماعز لثلاثة أشهر في السنة عندما يغطي الثلج الأرض والنبات والشجر…».

قبل أن أنشر التحقيق، وفيه أمثلة عدة من هذه المشاريع الفاشلة، اتصل بي الخبير، وقال لي: «أرجوك، لا تنشر شيئا مما قلته لك عن التنمية البشرية. لقد اتصل مسؤول كبير في وزارة الداخلية برئيس الحزب الذي أنتمي إليه، وحذره من مغبة تسريب معلومات ومعطيات حساسة عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى الصحافي الفلاني»… بدون تعليق.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

aziz منذ 6 سنوات

هذا ما كتبه الكاتب.... {تفتح العقل المغربي على نمط جديد من التخطيط التنموي، ومن استشراف المستقبل، ومن تجاوز عمر الحكومات الصغير الذي لا يتناسب مع العمر الطويل للأوراش الكبرى، علاوة على أن هذه المشاريع تضمن الاستمرارية، وتسهل الالتقائية المفتقدة في جل مشاريعنا.} و هذا ما يفكر فيه العقل المغربي...الذكي...و المتفتح...الذي يمتلك ثقافة السوق...بكل تواضع... {لإشراك العقل المدبر المغربي في التخطيط التنموي لنمط جديد في الاستثمار الحر في سوق الطاقة تفاديا رجوع حكومتنا الفقيرة الى خوصصت هذا القطاع في المستقبل لأن التنافسية هي التي تضمن الاستمرارية التلقائية و الانتقائية لجودة الخدمات المفتقدة في مشاريع الدولة التي ستلعب دور الرقيب فقط ... مع السماح لكل من يرغب انتاج الطاقة الكهربائية فعل ذلك و بيعه لوكالات الكهرباء بحيث سيصبح للأصحاب الأراضي المهددة بالجفاف مثلا دخل آخر} لا ننسى أن المغرب بدخوله في المنظمات العالمية للتجارة وجب عليه فتح الباب للمبادرة المقاولاتية و ابتعاده عن {الحمائية} ...هذه المشاريع هي بمثابة حجر الانطلاق... ولكن هل هناك ترسانة قوانين منظمة لهذا الفعل؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ............بيع الطاقة من الخواص الى وكالات الطاقة موجود في فرنسا ... وفي المغرب هناك معامل تبيع الطاقة الكهربائية مثل معامل السكر ... ...راه عندنا معمل الناموس لتلقيح البرتقال...منذ زمن......و لكن واش باقي و لا ... سولو و زير الفلاحة...

M.KACEMI منذ 6 سنوات

مهما كان الحال، فإخفاء معلومات تهم الرأي العام يبقى غير مقبول. إذ كيف يمكن للصحفي الذي يشتكي الصعوبات القانونية والعملية للوصول إلى المعلومة أي يخفيها، حالة الحصول عليها؟

خالد منذ 6 سنوات

هاذ لكلام قولو ليك انت اللي كظل تكتب اعلى الديمقراطية والحزب الاول والحزب والثاني وصناديق الاقتراع وكل التخاريف التي يبدو انك تؤمن بها شوف انت وحدك في المغرب كامل اللي عندك شي شوية ديال الجرأة والشجاعة باش تكتب اعلى المشاريع الملكية كل الآخرين ضاربينها بسكتة اما الاخ المعلق من تطاون فهو يحلم داك الشي اللي كيتحدث اعليه هو اللي كاين اوهو اللي غادي ابقى اوللي تكلم ايرعف اما الطاقة النووية عا محطوطا المغرب اقدر حتى يفكر فيها إيلى فكر فيها ايمحيوه من الارض الغربيين كيلعبو ما شفتوش اشنو دارو العراق او ايران او سوريا او البقية راكم عارفينها....

الورزازي منذ 6 سنوات

ورزازات تدين للشمس بالكثير، بفضل دفئها زارها السائح، و لجودة إنارتها استقطبت السينمائي، و اليوم، بفضل أشعتها ستوفر عُشر حاجيات البلاد من الطاقة... لكن حين تزورها لا ترى أمامك سوى مظاهر الفقر و الهشاشة و العزلة و الكثير من أوجه التخلف و الفساد

مواطن من تطاون منذ 6 سنوات

أستغرب اخي المحترم بو عشرين من تتبع الاتحاد الأوربي لانجازات وخطوات المغرب في مجال الطاقة النظيفة، واحتمل هذا التتبع المعاين منشاه ان الاتحاد الأوربي يخشى ان يتجه المغرب إلى امتلاك الطاقة النووية وذلك لوفرة مادة اليورانيوم المستخرجة من معدن الفوسفاط الذي يزخر باطن المغرب. فمشروع النور واحد الذي دشنه بالامس عاهل البلاد فرغم اهميته الكبيرة في مجال امتلاك ناصية الطاقة النظيفة لا يمكن مقارنته بمصدر الطاقة النووية الذي لو امتلك المغرب مفاتحه وتكنولوجياته لامكن للمغرب ان يتوفر على فايض من الطاقة يمكن تصديرها إلى باقي دول افريقيا وجنوب دول حوض البحر المتوسط . وفيما يتعلق بمشروع المغرب الأخضر فهو مرتبط أيما ارتباط باستثمارات رجال الأعمال المغاربة الكباروالأجانب حتى ورثة القصر الملكي في بلادنا الذين يمتلكون عشرات الهكتارات من الاراضي الزراعية التي تدر عليهم اموالا طايلة من العملات الصعبة نظرا للقيمة النقدية للصادرات الفلاحية الموجهة نحو الأسواق الخارجية ، فتوجد خطوط حمراء تمنع اية مؤسسة حكومية ان تراقب قيمة ما يصدر من مواد فلاحية نحو الخارج وذلك لاعتبارات التهرب من أداء الضرائب ، حتى لاحظت في إحدى ندوات ميدي1 حول الدعم المالي للفلاحين ان رجلي أعمال من الفلاحين يرغبون ان يحظوا بنصيب من الأسد من هذا الدعم المالي الذي لا غرو أن معظمه يتجه نحو جيوب الكبار علما أن وزير الفلاحة هو نفسه من يعتبر من كبار الفلاحين في بلاد المغرب.