ظلت الإنسانية، عبر كل الأزمان، تتأرجح بين رؤى سلبية للعالم والتاريخ، يختصر خلالها المشروع الإنساني في تنظيم وتحصين الدفاع لصد خطر، حقيقي أو متخيل؛ ورؤى إيجابية تقوم على اليوتوبيات التي يتعين تجسيدها في مشاريع. وينتهي المطاف دائما بالإيديولوجيات السلبية إلى اتخاذ الأخطار ذريعة للتنكيل بالحريات. وفي بعض الأحايين تتحول الرؤى الإيجابية إلى سلبية لما يهدد الخصوم وجودها.
في الماضي القريب، يمكن أن نضرب مثلا للإيديولوجيات السلبية بـ»القومية الاشتراكية»، التي تأسست على خطر متخيل يشكله اليهود.. وأن نسرد كمثال على الإيديولوجيا الإيجابية التي انزلقت إلى السلبية، الشيوعية في بلد وحيد، حيث تحولت إلى نظام شمولي كرد فعل على أعداء طبقيين متخيلين إلى حد ما. أما بخصوص الإيديولوجيات الإيجابية، التي يمكن أن نقبلها أو نرفضها، فيمكن أن نعطي مثلا عنها بـ»الليبرالية» و»الاشتراكية الديمقراطية».
واليوم، هناك خطران يشيدان إيديولوجيتين سلبيتين جديدتين، ويساهمان في بناء مشاريع تحمل في طياتها بذور الشمولية.
فالخطر الأصولي، المختلط بخطر تدفق غير متحكم فيه للمهاجرين، يفضي إلى إيديولوجيا ترفض هذا وذاك، وتقترح بدل ذلك إقامة الحواجز المؤسساتية والمادية. ونقف على هذا الأمر في كل مكان. مثلا في خطابات «دونالد ترامب» بالولايات المتحدة، وفي خطابات الأحزاب المتطرفة بأوروبا.
من جهته، يؤدي الخطر البيئي إلى التفكير في إيديولوجيا الانغلاق، التي تقوم على حظر الإنتاج والاستهلاك، ومنع القيام بأي مجازفة مهما كان نوعها. ونلاحظ هذا في كل مكان كذلك، مثلا في خطب المدافعين عن البيئة الأكثر تطرفا، بأمريكا وأوروبا واليابان. والدينامية التي تقوم عليها هذه الإيديولوجيا شمولية كذلك، كما تثبت ذلك تصرفات أولئك الذين يعارضون بعنف بعض مشاريع البنية التحتية، في تجاهل تام للمساطر الديمقراطية التي سمحت بإنجازها.
في ظل غياب الإيديولوجيات الإيجابية، فإن عدوى هاتين الإيديولوجيتين السلبيتين يصل إلى الأحزاب السياسية المهيمنة: فمقترحات اليمين المتطرف حول الهجرة تجد طريقها إلى برامج اليمين، ثم تتسلل إلى الاشتراكية الديمقراطية لما تكون هذه الأخيرة في الحكم. أما مقترحات الناشطين الإيكولوجيين الأكثر عنفا، مثل «مبدأ الحذر» (principe de precaution) فنجدها في برامج اليسار، ثم لدى اليمين المسمى «حكومي».
في المجمل، وعكس ما ندعي باستسهال، فالفكر الواحد ليس هو ذلك الذي يجمع الليبراليين والاشتراكيين الديمقراطيين، بل الذي يوجد في تجاور وتقارب أفكارالأيكولوجيين الأكثر تطرفا وكارهي الأجانب الأكثر عنفا، وهذا في مشاريع كل الأحزاب. فالإيديولوجيا المهيمنة في فرنسا هي «الإيكولو- جبهوية» (نسبة إلى الإيكولوجيين والجبهة الوطنية المتطرفة). وإذا لم نحترس، فسنجد في كل مكان أن ديكتاتورية «خضراء داكنة» vert-brun أخذت في التبلور.
وليس هناك ما هو أسوأ، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا وخاصة في فرنسا، من ترك الأحزاب الحكومية تكتفي بالتحول إلى أحصنة طروادة للأفكار الأكثر شمولية. فالديمقراطية لن تقوى على البقاء أمام تيارها الجارف.
وهذا ليس خطابا نظريا: فإذا ما تمعنا فيما يجري بالولايات المتحدة، فإننا لم نكن قط، قريبين بهذا الشكل من اجتماع كل الشروط لحدوث انقلاب. وهذا البلد هو آخر الديمقراطيات التي رأت النور في عصر الأنوار التي لم تعرف أي انقلاب.
بالنسبة إلى الأحزاب الحكومية، فالرد لا يكمن في المزايدات المتطرفة: الناخبون سيفضلون دوما الأصول على النسخ، حتى وإن تطلب الأمر التخلي عن الحريات.
بل الجواب يتمثل في بناء إيديولوجيا إيجابية جديدة أو أكثر. وبالنسبة إليّ، فالأمر واضح غاية الوضوح: خدمة الأجيال المقبلة. إن هذا شرطا لتحقيق سعادتنا. ويجب التفكير، في ظل هذا الإيثار العقلاني، في مشروع مجتعي يستند على التعاطف والتعاون ومتعة خدمة الآخر.
إن مثل هذه الإيديولوجيا الإيجابية توفر ردا على تهديدات البيئة والإرهاب أكثر جاذبية من الإيديولوجيات السلبية: فمن خلال العمل من أجل مصلحة الأجيال المقبلة سنجري التحولات الطاقية الضرورية دون الحاجة إلى نهج سياسة الحظر الشمولية.
ومن خلال مد يد العون في بلدانهم لأولئك الذين يتدفقون علينا وسيتدفقون أكثر، وتخصيص استقبال يحترم كرامة أولئك الذين سيحلون بيننا، سنتجنب الخيبات التي تخلق الإحساس بالإهانة لدى البعض، والانطباع بالتعرض للغزو لدى الآخرين. فهكذا يمكننا أن نوفر الشروط الكفيلة بظهور نمو متوازن ومستدام وديمقراطي للعالم.. نمو يحترم الحياة بكل أشكالها.
* ترجمة مبارك مرابط- عن «مدونة» الكاتب