تعديل التربية الدينية.. محاولة للفهم

15/02/2016 - 17:02
تعديل التربية الدينية.. محاولة للفهم

لم يفهم بعض المتتبعين التوقيت والخلفية التي أملت إصدار تعليمات ملكية بتعديل برامج التربية الدينية، هكذا وبدون زخم نقدي، يضع هذه التربية في دائرة الاستهداف.

بعض الأقلام الإيديولوجية سارعت إلى التذكير بسابق مقالاتها التي كانت تدعو- وبشكل صريح- إلى تنقية الإسلام – هكذا وليس الفهم أو الاجتهاد المنطلق من أرضيته- من المضامين الإرهابية، في حين سكت الإسلاميون عن إعمال تمرين التحليل، واستمسكوا بالعبارة الملكية: «لا انغلاق ولا استلاب أو مجاراة للآخر»، واعتبروها ضمانة تسد الطريق على أهواء خصومهم  بهذا الخصوص.

لكن، السؤال الذي يظل مطروحا، هو ما دواعي هذا الإصلاح؟ وما الحاجة التي بررت أن يرد في هذا التوقيت من غير سابق زخم نقدي لبرامج التربية الدينية؟

يرجح أن تكون الجهات العليا بعد أحداث 11 شتنبر، طلبت في زحمة الضغط الدولي الذي كان يوجه الاتهام إلى برامج التربية الدينية، إعداد تقرير مفصل عن برامج هذه التربية. ليس لدينا أي مؤشر أو معلومات تفيد حصول ذلك، لكن منطق الدولة يفرض القيام بمثل هذا الإجراء في مثل هذه التطورات.

الواقع يؤكد إلى اليوم بقاء هذه البرامج على حالها، باستثناء تعديلات طفيفة في بعض المقررات شملت صفحة أو صفحتين، أو صورة أو صورتين، كان لبعض المراصد ملاحظات عليها، إما لكونها ترسخ صورة نمطية عن المرأة، أو لا تحترم مبدأ المساواة، دون أن ننسى إضافة درس مستقل يتعلق بتثبيت الاختيارات الدينية للدولة المغربية (إمارة المؤمنين، والمذهب الأشعري في العقيدة، والمذهب المالكي في الفقه وطريقة الجنيد الصوفية).

بمعنى، أن استقرار هذه البرامج والمناهج لمدة اثني عشر سنة من غير تغيير وسط تحديات كبيرة، يفيد بأن الجهات العليا لم يكن لها أي تخوف من أن تكون أداة لترويج التطرف أو تغذيته.

هل هناك شيء طرأ، أو تقرير أو دراسة جديدة أُنجزت على هذه البرامج والمناهج أكدت العكس بعد مضي هذه المدة؟

منطق الدولة يقول: إن وجود مثل هذا العمل «النوعي»، الذي يخلص إلى نتيجة مخالفة للقناعات التي سمحت باستقرار هذه البرامج هذه المدة الطويلة يتطلب تحديد مسؤوليات وترتيب قرارات في حق الذين سمحوا باستمرار هذه البرامج، وهي تحمل ما تحمل من مخاطر على الأمن بمشمولاته المتعددة.

والحال، إن عدم وجود مثل هذه القرارات، يشير بأن مبررات تعديل هذا البرامج التربية لا علاقة له، لا بالماضي، ولا بالحاضر، وإنما هو جزء من تفكير استراتيجي استباقي يجيب عن تحديات قادمة، ربما تتوفر الدولة على معطيات دقيقة بشأنها، بينما لا ندرك اليوم- نحن كمحللين أو فاعلين سياسيين أو مدنيين- شيئا عن تفاصيلها.

ثمة تفسيران، يسارع البعض دائما لطرحهما كلما صدرت توجهات بشأن تغيير أو تعديل التربية الإسلامية: تفسير يرجع الأمر للضغط الدولي، وتفسير مقابل يقرأ في هذا التوجه محاولة لاستهداف الإسلاميين.

والحال، أنه في المثال المغربي، كان هناك سياق أسوأ من هذا السياق للضغط على المغرب لتغيير برامج التربية الإسلامية، لكن المغرب لم يفعل، بل على العكس من ذلك، صدرت في وقتها تنويهات دولية بشأن تجربة المغرب في الإصلاح الديني. أما بخصوص استهداف الإسلاميين، فثمة مؤشران يدفعان هذا التفسير، الأول، مرتبط بالتوقيت، إذ لو صدر مثل هذا القرار قبل انتخابات 2007 أو بعدها، لكان التفسير محتملا، بحكم أنه كانت لحظتها توجهات تدفع بقوة نحو تحجيم وإضعاف، وربما استئصال الإسلاميين. أما المؤشر الثاني، فمرتبط باستقراء التجربة لتقييم عائدات تعديل برامج التربية الدينية، وهل يؤثر على شعبية الإسلاميين، لاسيما بعد تحولهم – في حالة المغرب- إلى فاعل سياسي بامتياز يضع مسافة كبيرة عن العمل الدعوي، ويشتغل بأدوات السياسة.

ثمة في التقدير، ثلاثة تحديات كبيرة يواجهها المغرب، للتربية الدينية إسهام مباشر في المقاربة التي تواجهها:

• تحدي اجتماعي أمني: يتمثل في اطراد الجريمة وتنامي معدلاتها، وظهور مؤشرات عديدة على تحولها إلى جريمة منظمة (نموذج فاس، وطنجة مؤخرا)، ولعل تأكيد الملك على تعزيز القيم الدينية في هذه البرامج يعطي إشارات في هذا الموضوع.

• تحدي ديني أمني: يتمثل في الخطر الذي تمثله التنظيمات الإرهابية وامتداداتها الإقليمية، ومدى الحاجة إلى بث جرعات إضافية في التحصين الديني لمواجهة مخاطر الغلو والتطرف، ولعل الإشارة إلى التسامح والتعايش مع الثقافات يندرج ضمن هذا السياق.

• تحدي مذهبي سياسي: ويتعلق بالخطر الذي يمكن أن يشكله التشيع لاسيما بعد الوضع الجديد الذي باتت إيران تتمتع به بعد رفع الحصار جزئيا عنها، وتمكينها من أموال ضخمة لها كانت محتجزة في الدول الغربية، إذ من الوارد جدا أن تكون لدى الدولة معطيات عن تمدد شيعي إقليمي، وضع المغرب ضمن استهدافاته الاستراتيجية بعد أن حقق تقدما كبيرا في دول الخليج.

نميل في التفسير إلى ربط القرار الاستراتيجي الذي اتخذه المغرب بهذه التحديات الثلاث، وننتظر آلية ومضمون هذا التعديل، لاختبار هذه الفرضية التفسيرية.

شارك المقال