مفارقات مغربية

26/02/2016 - 11:22
مفارقات مغربية

بلال التليدي

ثمة ثلاث قضايا رئيسة تحاول الحكومة التعامل بحذر شديد معها موضوعا وتوقيتا، ولا تستطيع أن تمضي خطوة واحدة من غير أن تستجمع قدرا من الوفاق السياسي حولها: قضية إصلاح صندوق التقاعد، وقضية تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وقضية العتبة ضمن مشمولات الإصلاح الانتخابي.

والحقيقة، أن هذه القضايا الثلاث التي تغطي الأبعاد الثلاثة: الاجتماعي، والسياسي، ثم الثقافي اللغوي، تجتمع كلها في سمة أساسية، هي أن غياب الوفاق حولها ينذر بتهديد الاجتماع السياسي، بل قد يصل إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي.

المشكلة أنه في القضايا الثلاث، وإن اختلفت أبعادها، إلا أن شكل التعاطي معها ينطبع بالسمة نفسها، وهي الاتفاق من حيث المبدأ في المنطق العام، وإنتاج خيارات تنتهي في المحصلة إلى إبطال هذا المنطق من أساسه.

في المسألة الاجتماعية، التي يمثلها إصلاح صندوق التقاعد، يتأسس المنطق العام على ضرورة الإسراع في إصلاح صندوق التقاعد، كما ينتهي تحليل كل الفرقاء إلى ضرورة أن يكون الإصلاح جذريا وهيكليا، أي ضرورة اعتماد إصلاح لا يكتفي بتأجيل الأزمة أو إدارتها، وإنما يتجه رأسا إلى الإجراءات التي من شأنها أن تنهض بصناديق التقاعد، وتجعلها توفر الأمان للأجيال المقبلة. لكن الجميع يعلم أن مثل هذا الإصلاح لا يمكن تصوره من غير كلفة اجتماعية، تستوجب زيادة في نسب الاقتطاع، وزيادة في سن التقاعد، ونقصا في نسبة احتساب التقاعد، وتعديلا في الصيغة التي على أساسها يتم احتساب قاعدة الأجر. المنطق العام، يتأسس على هذه الاعتبارات، لكن الخيارات التي يطرحها على الخصوص الفاعلون الاجتماعيون، وإن كانت تنطلق من قاعدة هذا المنطق العام، إلا أنها تتحدث بلغة تحصين المكتسبات وحماية الطبقة المتوسطة. أي أن هذه الخيارات تنتهي في المحصلة إلى إبطال المنطق العام الذي يتفق عليه الجميع.

في المسألة السياسية، ينطلق المنطق العام من مقولة ترشيد السياسة وعقلنتها، وإحداث نقلة نوعية في مسارها، عبر التقليص من البلقنة، والاتجاه التدريجي لتقليص عدد الأحزاب المشكلة للحكومة، حتى يُضفى قدر من المعنى على السياسة.

المشكلة، أنه عند المحطة الانتخابية، ينتج بعض الفرقاء السياسيين- الذين لا يجادلون في المنطق العام- خيارات أخرى، ترى أن قوة العملية السياسية تكمن في توسيع قاعدة التعددية، وأن ذلك لا يتم من غير تنزيل سقف العتبة إلى النسبة التي تضمن تمثيلية الأحزاب الصغيرة في البرلمان. ولذلك، بدلا من أن يتم النقاش عن نسب عتبة تفوق 6 في المائة، بحكم أن مسار الارتقاء والتدرج في عقلنة السياسة والتقليص من البلقنة يفرض الاشتغال بهذا المنطق. بدلا من الاتجاه في هذا المسار، ثمة مبررات وذرائع جديدة يتم اختلاقها لتبرير النكوص عن المنطق العام أو إبطاله من الأصل.

أما في المسألة الثقافية واللغوية، والتي يندرج تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ضمنها، فالمنطق العام يتأسس على فكرة أن الاعتراف برسمية اللغة الأمازيغية ومستلزمات قيامها بوظيفتها يقتضي إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، وأن ذلك لا يمكن أن يحصل إلا بنقاش تشاركي لا يجادل في هذه الأساسيات، وإنما يتجه رأسا إلى بحث الكيفيات.

المشكلة، أن ثمة مواقف تصدر من بعض التيارات المحسوبة على التيار الأمازيغي، تعتبر أنها – وحدها – تملك أن تتقدم بمشروع قانون، وأن أي مسعى للحكومة للانفتاح على مقترحات المجتمع المدني يمثل في حقيقته وجوهره تهديدا للمكتسبات، وأنه لا بديل عن التفاوض معها باعتبارها هي المخاطب الوحيد الذي يستطيع أن يضفي الشرعية على المخرجات المتضمنة في هذا المشروع.

وهكذا، تتلخص الحصيلة في القضايا الثلاث، التي تغطي الفضاء الاجتماعي والسياسي والثقافي، في الانطلاق من عناوين المشروع الوطني، ثم الانزياح عنه لفائدة خدمة الأنويات والذوات، بما يجعل هذا المسار ينتهي في الأخير إلى إبطال عناوين هذا المشروع الوطني الإصلاحي.

ثمة أزمة بدون شك، لكن الخروج من المأزق ليس صعبا. فكافة الدول التي عاشت فترة تحولها الديمقراطي عاشت هذه المعادلات الحرجة، لكنها استطاعت أن تخرج منها بصيغ مبدعة أنتجها المعتدلون على الجبهتين.

شارك المقال