ارتبط عندي الصباح، خاصة في العقدين الأخيرين تقريبا، بالرنة الخفيفة لأساور أمي.. كانت رنة هادئة وصافية تتسلل إلى أذني قادمة من الغرفة الصغيرة المجاورة حين تستيقظ لتعد وضوءها وتؤدي صلاتها.. رنة مثل جرس حركته يد لطيفة هناك في ذلك البعد الخامس الواقع بين النوم واليقظة، ليأذن لي بالدخول إلى يوم جديد من أيام هذه الحياة، وفي الصدر كثير من ألم الروتين لا تخفف سوى بعض من جرعات الأمل التي أرتشفها مع القهوة أو «أتاي» اللذين تصر إصرارا على إعدادهما، مع ما تيسر من خبز مغموس في زيت الزيتون والمربى أو العسل.
كانت تحرص على إعداد هذا الفطور الملفوف دوما في أنفاسها إلى آخر أيام حياتها، مثلما يحرص كاهن على طقوسه الدينية، ولا يثنيها سوى المرض، بل المرض الشديد. فقد كانت تعتبر نفسها منذورة لمهمة «مقدسة» وجدت نفسها مكلفة بها من طرف جهة مجهولة تحس بحضورها وإن كانت لا تراها: السهر على خدمة هؤلاء الأبناء حتى وإن بلغوا من العمر ما بلغوا.. حتى وإن كانوا قادرين على خدمة أنفسهم. فهي كانت تبصر بحدسها ذلك الرضيع الخالد والطفل الأزلي الذي ينزوي هناك في ذلك الركن القصي من روح كل واحد منا، وتعرف بغريزتها أنه في حاجة دائمة إلى رعايتها وعطفها الصامتين. ولعلها تتذكر ذلك الزهو الذي يغمرها وهي تسمعني (وكذلك إخوتي) أستظهر أمامها بحماس «قد سمع الله التي تجادلك في زوجها…» وإن لم أكن أفهم شيئا مما أستظهر.
وكانت ترفض رفضا باتا أن تتكئ على عكاز حتى لما اشتدت آلام الورك، ربما لأنها لم تكن تريد أن يراها هذا الطفل محتاجة إلى مساعدة حتى ولو من عصا خشبية بسيطة.
كانت أمي من تلك الأمهات المغربيات اللواتي لا يعرفن 8 مارس ويجهلن شيئا اسمه «حقوق المرأة»، ويعتبرن أن مجرد الاستيقاظ كل صباح واستنشاق هواء الصباح «نعمة» ما بعدها نعمة.
كانت أمي (وأمهاتنا جميعا لا شك) مثل بطلة إغريقية سقطت من كتابات هوميروس أو أحد نصوص صفوكلس، تواجه بصبر سيزيفي وحش «اليومي» الذي لا ينتهي، وعلى كل جبهاته التي لا تكف عن التوالد (مطالب الزوج، حاجات الأبناء، متطلبات البيت.. تدبير الوجبات.. تنظيف، كنس، تصبين.. البحث عن الجوارب التائهة، جمع الغسيل…إلى ما لانهاية).
ورغم عدم معرفتها بـ8 مارس ولا بحقوق المرأة، فإن مدرسة الحياة جعلت منها، رغم بساطتها، كائنا متقدما، وعلمتها أن الحداثة والتحديث ليست فعلا جماعيا، بل سلوكا فرديا ويبتدئ بتصرفات بسيطة، مثل كنس كل واحد باب بيته، وحرصه على عدم إضرار جاره أو حتى إزعاجه، دون طلب لمقابل.
كانت أمي، التي رحلت عني قبل عشرة أيام، عدمية راقية.. عدمية لا تسعى إلى مكسب، ولا إلى غنيمة، ولم تكن تأبه البتة بذلك التقاعد الفرنسي الذي ورثته عن الوالد وظل يتراكم في وكالة بنكية ولم تكن تطل عليه سوى عند الحاجة الماسة لقضاء غرض طارئ أو لمساعدة أحد.. لم تكن تعير أهمية لمِلْكِية، ولا تقيم وزنا لمال، وكانت تكتفي بما يسد الحاجات اليومية البسيطة.. أمي لم تكن لها طلبات.. أمي أوقفت حياتها علينا إلى آخر يوم، وتركت الطفل الذي بداخل يتيما رفقة أسورة من أساورها التي صمتت إلى الأبد.
شريط الأخبار
أولمبيك الدشيرة يعلن فك الارتباط مع المدرب مراد الراجي بالتراضي
المركز الروسي للعلم والثقافة بالرباط يحتفل بالذكرى81 لانتصار الشعب السوفيتي
القناة الأولى تراهن على الدراما التراثية من خلال سلسلة « بنت_الجنان »
ندوة دولية بالدار البيضاء تضع الهجرة تحت مجهر البحث الأكاديمي
2500 درهم لحضور حفل وائل جسار بالدار البيضاء يثير الجدل
السينما المغربية تستقبل فيلم “التسخسيخة” لسعيد الناصري
عمر بن عيدة يقدّم كتابه حول الجهوية والتنمية الترابية
طنجة: انتشال جثة طفل عمره تسع سنوات لقي مصرعه غرقا في بركة « سد مغاير »
ضحى الرميقي تطرح عملها الجديد « محايني » في فيديو كليب بتقنيات الذكاء الاصطناعي
سعد لمجرد أمام القضاء الفرنسي مجددًا في قضية اغتصاب