من يستفيد من الحياة؟

10 مارس 2016 - 11:41

إن إطالة الأمد في الحياة، وهي معطى ثابت في تاريخ الإنسانية منذ قرنين، خبر سار بطبيعة الحال. وحتى وإن كانت لا تتحقق بطريقة تعم فيها المساواة، فإنها تدل على تراجع وفيات المواليد الجدد والأمهات، وتسمح للذين مول لهم المجتمع العلاجات والتعليم بالعيش لمدة طويلة، تخول لهم إنتاج الثروات الضرورية لتمويل معاشات الأجيال السابقة وتعليم الأجيال اللاحقة.
وسيكون لإطالة أمد الحياة، التي ستتواصل على الأرجح، آثار مهيكلة على مجتمعاتنا بالكاد نلمس ملامحها اليوم. فهي ستحدث أولا انقلابا في علاقة الإنسان بالعمر: بينما كانت امرأة في الثلاثين تعتبر في القرن التاسع عشر عجوزا وعليها التخلي عن أي حياة عاطفية، لم تعد هناك اليوم أي حدود زمنية للحب، وقريبا سيصبح بإمكان المرء العيش طويلا مع حفدته، بل وأبناء حفدته.
بيد أن هناك أبعادا أخرى لإطالة الأمد في الحياة، غير مضمونة هذه المرة، علينا أخذها بعين الاعتبار. أولا، سيتعين العمل لمدة أطول بكثير لتمويل تقاعد صار بدوره طويل الأمد. ثانيا، سيستهلك الشخص الذي سيعيش هذه المدة الطويلة – خلال السنين الإضافية التي سيقضيها على قيد الحياة- ما كان سيورثه لورثته في زمان آخر: فهذه الإطالة ستكون – بل قد شرعت في أن تكون – بمثابة ضريبة على الإرث، الأمر الذي سيزيد من صعوبة شراء بيت أو الاستثمار في تجارة ما بالنسبة إلى الشباب.
أما بالنسبة إلى المجتمع ككل، فإن إطالة أمد الحياة سيرغمنا على التفكير بشكل مختلف تماما في نظام القيم، وفي التنظيم الاجتماعي.
سياسيا، ستمنح هذه الإطالة سلطة شبه مطلقة للأكبر سنا، الذين سيكونون أكثر عددا. وبما أن المسنين لا مصلحة لديهم في حدوث التضخم، فإن القدرة على الاقتراض ستتقلص لدى الشباب. كذلك بما أن هؤلاء المسنين لن يرغبوا في مغادرة مناصبهم والتخلي عن امتيازاتهم، فإن عدد الوظائف يستقلص بالنسبة إلى الشباب، وهذا سيدفعهم إلى العمل على خلق مقاولاتهم، أو إلى الهجرة، أو نحو اليأس.
اقتصاديا، سيدفع الأمد الطويل في الحياة الشيوخ إلى العمل على أن تلبي كل المنتجات والخدمات الجديدة حاجاتهم أولا: الصحة، إعادة هيكلة المساكن، وإعادة تنظيم وسائل النقل، سبل الترفيه… إلخ.
عسكريا، سيقلص هذه الأمد الطويل في الحياة من القدرات الهجومية للأمم الغنية حيث سيعيش السكان لفترات أطول، لأن الميل إلى التضحية ينكمش بالموازاة مع تمدد مدة الحياة الباقية. وهذا سيفضي – بل أخذ يفضي من الآن – بهذه الأمم إلى الاقتصار على خوض حروبها عن بعد، ضد مقاتلين لا يقيمون وزنا للحياة.
لتحقيق أكبر قدر من الإفادة من هذا التطور، سيتعين علينا إحداث انقلاب جذري في قيمنا. والقبول، أولا، بأن المراهقة تمتد إلى سن الـ30، والشباب إلى الـ40، وبأنه من الطبيعي العمل وإنجاب الأطفال إلى غاية الـ70، وعيش تقاعد نشيط إلى حدود سن الـ90 على الأقل.
لسنا مستعدين البتة لكل هذا. وإذا لم نعكف على إعداد العدة لهذه التحولات، فسيندلع نزاع بين أولئك الذين سيكونون مستقرين في السلطة لنصف قرن جديد من جهة، وبين الآخرين، الذين لن يجدوا سبيلا إلى أي شيء. إن هؤلاء الأخيرين هم الذين سيأتون من أحيائنا الفاخرة، ومن ضواحينا ومن منطقة الساحل، للإطاحة بهذا العالم المكون من الشيوخ الذين نصبوا أنفسهم، بشكل مثير للشفقة، شبابا مدى الحياة.

شارك المقال

شارك برأيك

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

التالي