تداعيات تغيير المغرب لقواعد اللعب بالصحراء

14 مارس 2016 - 14:57

بلال التليدي

تعيش الدبلوماسية المغربية هذه الأيام قلقا كبيرا بسبب حاجتها إلى تدبير الأزمة على أكثر من واجهة:
الواجهة الأممية، وما يتطلبه الرد على تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة بان كيمون التي بدت – وبشكل غير مسبوق- منحازة إلى الأطروحة الانفصالية.
الواجهة الأوروبية، وما يتطلبه الرد على المحكمة الأوروبية التي قضت بإلغاء الاتفاق الفلاحي الذي أبرمه الاتحاد الأوروبي مع المغرب، وتعليل القرار بضرورة التزام المغرب بوضع علامة على منتجاته الفلاحية للتمييز بين ما أُنتج في الصحراء وما أنتج خارجها.
والواقع، أن الأزمة بمستوييها الأممي والأوروبي، تنطلق من الخلفية ذاتها، أي مشكلة النزاع حول الصحراء، إذ جاء سلوك الأمين العام للأمم المتحدة في زيارته الأخيرة للجزائر وتندوف بناء على الموقف المغربي الصارم بمنع المبعوث الأممي روس من زيارة الأقاليم الصحراوية على خلفية حقائق يمتلكها المغرب حول تجاوزه وظيفته كوسيط مؤطر بالمحددات التفاوضية المتفق عليها بين الطرفين، إلى فاعل سياسي منحاز لجهة الأطروحة الانفصالية، أو على الأقل فاعل محرض ضد الاستقرار في منطقة الصحراء، كما جاء قرار المحكمة الأوروبية عقب تبني المغرب استراتيجية جديدة في التعاطي مع ملف النزاع حول الصحراء، لاسيما بعد الزيارة الملكية إلى العيون، وما أعقبها من استثمارات ضخمة في المنطقة أعطت الانطباع بأن المغرب دخل في سياق تنزيل الجهوية الموسعة، وتفعيل المقاربة التنموية في المنطقة، وهو ما قُرئ أوروبيا وأمميا على أنه توجه مغربي لحل قضية الصحراء من جانب واحد بعيدا عن مظلة الأمم المتحدة، ولذلك افتعلت هذه الأزمة لتنبيه المغرب لضرورة الرجوع إلى ما قبل زيارة الملك محمد السادس إلى العيون، أي الثبات على الاستراتيجية المغربية السابقة نفسها التي تُبقي على التوازن الاستراتيجي في المنطقة، مع حشر المغرب في ركن ضيق يجعله دائما في حالة دفاع واستجابة للضغوط الدولية التي تستثمر ورقة حقوق الإنسان في المنطقة ضده.
التقدير أن تفسير هذه الأزمة، ليس مرجعه إلى أخطاء في الدبلوماسية المغربية كما يصور البعض بخلفيات سياسية أو حزبية، ولكن، الأزمة في شقها الأممي والأوروبي، ترجع بالأساس إلى اتجاه المغرب وبشكل جريء إلى تغيير التوازنات التفاوضية الاستراتيجية التي حكمت الملف منذ دخوله المسار التفاوضي.
تفصيل ذلك، أن المغرب في استراتيجية تفاوضه وتدبيره للنزاع في الصحراء، دخل التفاوض وقبل الاستفتاء بمنطق الإقناع باستحالته، وقد نجح في ذلك بنص تقرير المبعوث الخاص الأممي «بيتر فان فالسوم»، ثم دخل التفاوض مرة ثانية بمقترح الحكم الذاتي، وهو المقترح الذي قرئ في إبانه على أساس أنه تنازل مغربي، سيرسخ أطروحة التوازن، وسيجعل القرارات الأممية في موضوع الصحراء تجتر الملف لسنوات طويلة، إذ ستؤكد في الجانب الأول على جدية المقترح المغربي، وعلى جهوده في ترسيخ نموذج ديمقراطي وتنموي، مع الإبقاء على قدر غير قليل من الضغط عليه بجملة وقائع وإلجائه للخضوع إلى التزامات جديدة، مع إبقائه دائما تحت التهديد بورقة توسيع مهام المينورسو لتشمل حقوق الإنسان. وفي الجانب المقابل، سيتم التأكيد في القرارات الأممية على حق «الشعب الصحراوي في تقرير المصير»، مع بعض الضغط لإحصاء ساكنة تندوف، وغض الطرف نهائيا عن جرائم حقوق الإنسان التي ترتكب فيها.
المغرب طوال هذه المدة، بقي وفيا للعب في حدود هذه التوازنات التفاوضية، وساير مطلب الأمم المتحدة على المستوى الحقوقي، فأنشأ آليته الوطنية لحقوق الإنسان، وتفاعل مع متطلبات منظومة حقوق الإنسان، وفتح الباب واسعا أمام زيارات المقررين الأمميين، وفتح المنطقة لزيارات منظمات دولية لحقوق الإنسان، لكن، بدا عبر الزمن، أنه كلما مضى بعيدا في التزاماته الديمقراطية والحقوقية، كلما افتعلت له الأزمات في هذا الملف، بدءا بمسودة القرار الأمريكي بتوسيع صلاحية المينورسو لتشمل حقوق الإنسان، ومرورا بسلوك المبعوث الخاص الأممي روس المتسم بعدم الحياد، إلى أن انتهى الأمر في الأخير بأزمة تمثلت أوروبيا بقرار المحكمة الأوروبية، وأمميا بسلوك وتصريحات الأمين العام الأممي بان كيمون المنحازة إلى الأطروحة الانفصالية.
التفسير الذي نميل إليه في هذه القراءة أن مرد الموقف الأوروبي من جهة، والسلوك الأممي من جهة ثانية، إلى استراتيجية المغرب التي غيرت تماما قواعد اللعب التي رسمها المنتظم الدولي، أو للدقة الفاعل الأمريكي والأوروبي، وأخلت بعناصر التوازن التي كانت تعتمد للإبقاء على النزاع مفتوحا لا يتقدم في أي واجهة إلا تكرار جولات لا تنتهي من المفاوضات من غير أي نتيجة تذكر، أو تغير في أسلوب التفاوض لم ينتج عنه سوى تعقيد الملف وضرب النتائج التي تحققت إيجابا على الأرض بعرض الحائط.
المرجح أن قرار المحكمة الأوروبية، وتصريحات الأمين العام الأممي، خرجا من خلفية واحدة، هي التي أومأنا إليها، وأنهما لا يبتغيان أكثر من تنبيه المغرب أو تحذيره من الاستمرار في تغيير قواعد اللعب، وإلجائه إلى العودة إلى القواعد (السياسية) السابقة التي رسمها المنتظم الدولي حتى يبقى ملف النزاع حول الصحراء مفتوحا إلى الأبد، ويبقى الضغط مستمرا على المغرب، والمغرب وحده، رغم أنه الفاعل الوحيد في المنطقة الذي يتقدم في نموذجه الديمقراطي والتنموي.
هل المغرب يواجه اليوم أزمة؟
سياسيا، لا. لكن من الناحية الدبلوماسية، نعم.
سياسيا، لأن استراتيجيته هي التي غيرت قواعد اللعب، ولأنه يمتلك أوراقا عدة لإدارة الملف على الأرض بعد أن توجه إلى السرعة القصوى في تنزيل النموذج التنموي بالمنطقة، وبعد اقتناعه أن أولوية التمدد الاستراتيجي في إفريقيا والدور المغربي فيها يتطلب عدم تأجيل الورش التنموي الكبير في منطقة الصحراء.
نعم، ثمة أزمة من الناحية الدبلوماسية، فما حصل من متغيرات بهذا الخصوص يشكل قلقا جديا للمغرب، لكن إذا عرف المغرب كيف يفصل بين المسار الأوروبي والمسار الأممي، وفاوض كل طرف على حدة، وعرف كيف يوظف التناقضات الدولية لصالحه يمكن أن يكسب أسلوبه الجديد في التعاطي مع ملف الصحراء سندا سياسيا ودبلوماسيا قويا.
لحد الآن، الخطوات التي اتخذها المغرب للرد على الاتحاد الأوروبي بدأت تعطي ثمارها، ويمكن للمغرب إن استعمل كل الأوراق التي يمتلكها، وفي مقدمتها ورقة الدور الأمني، والشركاء الاستراتيجيين الأوروبيين (فرنسا وإسبانيا مع الانفتاح أكثر على ألمانيا)، يمكن أن يكسب الجولة في الحكم الاستئنافي، لكن على الواجهة الأممية، ثمة خيارات صعبة يمكن اللجوء إليها، لكن صعوبتها لا تعني استحالتها، خاصة إذا عرف المغرب كيف يدير التوازنات بشكل جيد وينفتح على فاعلين دوليين جدد، ولا شك أن الزيارة الملكية إلى موسكو، التي يُرجح أن تتم في هذا الشهر، تندرج ضمن بحث المغرب عن هذه الخيارات.
التقدير أن ملف الصحراء اليوم، مرشح لمواجهة ثلاثة خيارات، خيار تثبيت التوجه المغربي الذي غير قواعد اللعب الاستراتيجية التي اعتُمِدت لتأطير التفاوض بين الطرفين، وهو ما يعني التوجه نحو حل ملف الصحراء لجهة مقترح المبادرة المغربية للحكم الذاتي، وهو ما يتوقف على نجاح المغرب في تدبير التوترات الناشئة بسببه، وخيار إعادة المغرب إلى قواعد اللعب السابقة بإبقاء الملف مفتوحا على الديناميات السابقة ذاتها، وهو ما يعمل المغرب بجدية على جعله جزءا من الماضي، أو خيار الحرب، الذي يبدو أن الوضعية الاقتصادية والسياسية للجزائر لا ترجح أن يكون محتملا على الأقل في السنوات القليلة المقبلة.

شارك المقال

شارك برأيك

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Saber jedan منذ 8 سنوات

لا شك ان المغرب بدأ يعرف قيمته حتى بدا يرد على الاتحاد الاوروبي وأمين العام الأمم متحدة وبدا يقوم بحل دبلوماسي بنفسه لانه يعرف ان المغرب اصبح له بروز في العالم وذلك في تجلي محاربة الاٍرهاب الدولي و موازات مع تراجع قوة روسيا بعد زيارة ملك الى روسيا كمى اتفاق بين ألمانيا حول ارهاب

التالي