"يسألونك عن الشغب"..

23/03/2016 - 13:32
"يسألونك عن الشغب"..

هل تعرفون كيف نشأت الرياضة الحديثة في المغرب؟
حسبما جاء في بحث مميز جدا للدكتور منصف اليازغي، لم يجد طريقه إلى الصدور رغم التوصية بإصداره، فإن ضابطا فرنسيا، أوكلت إليه مهمة البحث في أسباب هزيمة الفرنسيين في الحرب العالمية، خلص إلى أن شباب بلاده تراخى بفعل تغيرات مجتمعية، ولم يكن مهيئا ليدافع عن بلاده، ما أدى إلى الهزيمة، ومن تم أوصى الضابط بضرورة التريض وسيلة للخروج من النفق المظلم.
وبما أن المصادفة قادت الضابط إلى العمل في المغرب، إبان الحماية الفرنسية، فقد حاول تطبيق ما خلص إليه في دراسته السابقة، لعله يفيد أبناء جلدته، ويجعلهم مستعدين على الدوام لكل طارئ قد يهدد فرنسا، التي عانت بدورها الاستعمار النازي، وذاقت ويلات حربين عالميتين، وتداعياتهما السيئة.
طبعا لم يكن ممكنا للمغاربة أن يمارسوا الرياضة في تلك الأثناء، لأنه كان محرما عليهم، من قبل المحتل، ممارستها. غير أن الحيلولة دونهم لم تستمر طويلا، ليجدوا، بطرق شتى، أغلبها حيل قانونية، طريقهم نحو ممارسة الأنشطة الرياضية بأنواعها، ليبرزوا، بين فينة وأخرى، في رياضة الدراجات، أو الكرة، أو الملاكمة، أو غيرها، حتى تغلب بعضهم على كل الأجانب المحتلين، وكان المثال الأبرز للغاية هو العربي بن مبارك، الذي حمل على الأكتاف، رغم أنه مغربي.
ولأن المغاربة المحتلة أرضهم وجدوا في الرياضة وسيلة جديدة لمقاومة المستعمر، فقد حولوها، بمرور الوقت، إلى سلاح قوي في وجه المستعمر، حتى نالت من أنفسهم مكانة كبيرة جدا، ستبقى كذلك حتى بعد انتهاء عهد الحجر، لتصبح جزءا من ثقافتهم اليومية، بأنواعها، وإن برز بعضها على حساب البعض الآخر، لأسباب مختلفة.
وبما أن الأفذاذ هم أول من سير الفرق الوطنية والجامعات، فقد كان طبيعيا أن يستمر هذا التوجه، إذ يجد المتأمل في تاريخ رياضتنا أن تدبيرها أسند على الأرجح إلى رجال لهم صلة قوية بالتربية والتعليم، مع بعض الاستثناءات التي كان لها جذر سياسي محض، سيضر أكثر مما سينفع، والدليل أن من الملاحم الكبرى للرياضة المغربية كانت مع رجالات « مربين »، هم أقرب إلى « الأب » منهم إلى « المسير » فقط.
ما حدث في وقت لاحق، مع الأسف، أن الرياضة أخذت تستهوي أصحاب المال والنفوذ، أو الراغبين في المال والنفوذ، وهو الأصح، بما أنها صارت بالفعل مصدرا حيويا لكسب الأموال، والتقرب من السلطة، فإذا بها تسقط بين يدي الكثير من المسيرين الذين لم يحملوا من الصفة سوى الاسم، دون أن يعوا بأن الأمر يتعلق بإرث تاريخي عظيم، بل بأمانة خلفها الأجداد، ويفترض في من حملها أن يصونها، لا أن يخونها.
وهكذا تحولت الرياضة من « شي حاجة عزيزة عند المغاربة »، لأسباب تاريخية، إلى قنطرة عبور نحو « الفخفخة »، فكان أول ما سقط أثناء ذلك هو « تنبر التربية والتقويم »، ليصبح التسيير عبارة عن « عطيني نعطيك »، أو بكلمات أخرى « تدبير اليومي » وفق عقلية ترى في ما بين يديها فرصة قد ينتهي زمنها في أي وقت، ويتعين استثمارها بقوة، أما النزهاء، والحالمون برياضة تحمل عبق الماضي، فتربي الصغار، وتقومهم، وتنميهم، وتفجر طاقاتهم في الوجهة الحسنة، فقد انسحب أغلبهم في هدوء، حتى لا يحسب عليهم أنهم ساهموا في التردي.
وحيث إن التحولات الأخيرة جاءت متسارعة، تحمل طبيعة عصرها، فقد أثر تقهقر التسيير الرياضي على المحيط ككل، وضمنه الجمهور، الذي كان يحضر المباريات في شتى الأنواع الرياضية، خاصة الرياضات الجامعية، نظيفا؛ روحا وجسما، وبغرض الفرجة وصنع الفرجة أيضا، فإذا به يصبح، بين عشية وضحاها، جمهورا أغلبه من القاصرين الآتين من الهامش، بما يحمله من عاهات غائرة في العقل والجسم معا، لا يعرف غرضه من الحضور في الملاعب، اللهم إحداث الشغب، تفجيرا لمكبوتات كان يفترض تصريفها في التربية والرياضة، حتى تنتج سلوكات قويمة، لا سلوكات مستهجنة.
هل قلنا إن الرياضة الحديثة بدأت سنوات الحماية؟
نعم، وواكبتها حينذاك صحافة استعمارية همها الأول أن تروج للإيديولوجيا الكولونيالية باعتبارها جاءت لترقية مجتمع متخلف، حتى وهي ترفض ممارسته للرياضة، قبل أن تجد نفسها مجبرة على الاحتفاء بالرياضيين المغاربة المتألقين. أما في زمن مسيري « جمع عام 10 أبريل »، و »شغب الملاعب »، و »انقراض الأنواع الرياضية الراقية »، فقد مست العدوى إعلامنا، فصار منشغلا بالهوامش، يضخمها، وزاده غياب الإنجازات انشغالا بتلك الهوامش، حتى صار يعدها أساس وجوده، مع أنها تشكل جزءا من رياضة لا صلة لها بتاريخها الجميل.
ويسألونك عن أسباب الشغب.
رحمة الله على من ماتوا في ملاعبنا الرياضية، ورحمة من الله على رياضتنا التي ننتمي إليها وتمثلنا. وفي انتظار يوم انبعاثها من موتتها التي نظنها ستنبعث منها عاجلا أو آجلا، لا يسعنا إلا القول، أحسن الله عزاءنا جميعا.
إلى اللقاء.

شارك المقال