لمسة الإسلاميين

28/03/2016 - 16:00
لمسة الإسلاميين

بلال التليدي

أوشكت الولاية الحكومية على الانتهاء، وانتهت معها التوجسات من نوايا الإسلاميين في الحكم، واستيقن كثيرون أنهم يشتغلون ضمن قواعد اللعب، وأن الدين الذي كان يُخشى أن يكون سلاحا بيدهم، هو بيد سلطة أخرى خولها له الدستور.
والمفارقة أنه من فرط تشابه الإسلاميين مع غيرهم، صار السؤال عن طبيعة اللمسة التي أضافها الإسلاميون في مربع الحكم؟
نعم، ثمة كلام كثير عن تخليق السياسة، وطهارة اليد، لكن سؤال اللمسة ينصرف إلى الأسلوب أكثر، مما يرتبط بالخصائص الأخلاقية للفاعل السياسي.
في السياسة الاقتصادية، كما في السياسية الاجتماعية، اشتغل الإسلاميون بمنطق واحد، الرهان على القطاع الخاص لتقوية المقاولة وتعزيز قدرتها التنافسية (الاقتصاد)، ودعم التعليم الخاص بتوسيع وعائه (التعليم)، وفتح الاستثمارات في وجه غير الأطباء لتوسيع شبكة المصحات الخاصة (الصحة)، مع قدر من العناية بالمؤسسة العمومية في المجالين معا: الاقتصادي والاجتماعي.
نعم، كانت لهذه الحكومة لمسة اجتماعية جزئية غير مسبوقة، إذ تفتقت من رحم منطق التوازن الاجتماعي، سياسة تولي الاهتمام بالطبقات الدنيا (الأرامل، والمطلقات..). لكن في النظرة الكلية، بقيت لمسة الإسلاميين محكومة بالتوازن بين رؤية محافظة تدعو إلى تقوية المؤسسات العمومية، ورؤية أخرى منفتحة بشكل غير محدود على القطاع الخاص.
الربح الذي ربحته الحكومة من جراء هذه اللمسة، هو أنها أوقفت جزئيا نزيف الهدر في الخدمات التعليمية والصحية، وضمنت للمؤسسات التربوية والاستشفائية الاستمرارية من غير جودة، وأعادت إلى بعض المؤسسات العمومية بعض الفاعلية في الأداء، وفتحت الباب واسعا للقطاع الخاص ليقوم بدوره في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني.
مضمون اللمسة أن الإسلاميين لم يقوموا في مجال المؤسسات العمومية بأكثر من تأمين استقرارها وانتظامها، في حين كان الرهان في الفاعلية والنجاعة على القطاع الخاص.
هذا التوازن بين النظرة المحافظة لما يمكن فعله للمؤسسات العمومية، والنظرة الاستشرافية لمستقبل دور القطاع الخاص، يعكس في جوهره عمقا سياسيا يقترب من منطق فعل الممكن، ويبتعد في الظاهر عن مقصد تفكيك بنى الاستبداد.
فتأرجح البنيات الاقتصادية والاجتماعية بين يد الدولة والقطاع الخاص، يغيب بشكل كامل أطروحة افتكاك المجتمع لوظائفه من الدولة، على الأقل في مجال الخدمات الاجتماعية، إذ ثمة خيار آخر معني بهذه المهمة لم يشتغل عليه الإسلاميون، لا في مجال السياسة الاقتصادية ولا في مجال السياسة الاجتماعية، وهو شق طريق ثالث خاص بدور المجتمع الطوعي.
في السياسة الاقتصادية، ثم خيار ثالث بين الدولة والقطاع الخاص، هو توسيع وعاء الاقتصاد التعاوني والتضامني، وقد مضت الحكومة في نسختها الأولى في هذا المسار بشكل جريء، قبل أن يتوقف بعد التعديل الحكومي الأول.
وفي الخدمات الاجتماعية، دور المجتمع الطوعي شبه غائب، حتى أصبح المواطن مخيرا، بين تعليم فاشل تقدمه المؤسسات العمومية رغم انتظام سيرها، وبين تعليم آخر يبتز جيوب المواطنين، وبين مؤسسات استشفائية عمومية بطيئة ومهترئة، وبين مصحات تتاجر في الصحة العمومية للمواطنين.
الخيار الثالث، الذي يسند إلى المجتمع الوظيفة الطوعية في تقديم نموذج آخر للتعليم، ومبادرات أخرى في العلاج، ويقوي ويوسع وعاء الاقتصاد التضامني التعاوني، كان من الممكن أن يتم الاشتغال عليه لإعادة التوازن، وإعطاء مضمون أكثر إيجابية على لسمة الإسلاميين.
نعم، ثمة كلفة سياسية لهذا الخيار، وجيوب المقاومة ستكون أكثر شراسة في مواجهته بحجة العائد السياسي من وراء هذه الخدمات الاجتماعية، لكن، كما تم إبداع صيغ سياسية في مواجهتها في ملفات سابقة، يمكن التفكير في صيغ أخرى. المهم أن يشعر المواطن بلمسة الإسلاميين، وأنهم يفكرون في إعادة التوازن للمجتمع بشكل مختلف.

شارك المقال