لا يجب على الأمم الأوروبية التي تعيش تحت تأثير خدر وفرة خادعة ومتفاوتة، أن تخطئ في كيفية الرد على الهجمات الإرهابية التي استهدفتها. إذ يمكن لقادتها- إن استسلموا للغرائز الأولية- أن يغريهم الاكتفاء برد أمني خالص. فهذا الأخير، مهما كان ضروريا، لن يكون كافيا لانتشالنا من الكابوس الذي رمتنا فيه تلك الهجمات.
لا شك أنه لا يجب إغفال أي وسيلة لضمان أن الفضاءات العامة والأماكن الخاصة، والحق يُقال فالتكنولوجيا تمدنا كل يوم بوسائل أكثر فعالية يجدر بنا الإسراع إلى توظيفها. كما لا يجب إغفال أي وسيلة في سبيل ملاحقة وتوقيف وعقاب أولئك الذين يستسلمون للانجرار إلى مثل هذه الانحرافات.
ولكن بشرط أن تتحلى هذه الوسائل كلها بالذكاء وتأخذ بعين الاعتبار أننا نكون أكثر فعالية ونحن متحدين، وأحداث الأيام الأخيرة تؤكد – إن كانت هناك ضرورة لأي تأكيد- أنه من المستعجل جدا إقامة تعاون أمني وقضائي أوروبي يكون فعالا ومتينا. كما تؤكد أهمية المراقبة المشتركة لحدودنا.
بيد أن هذه التعبئة الشاملة لن تكون كافية إذا لم نتصد لجذور هذا الشر: فلن نقضي على «الغورغون» (مخلوق أسطوري إغريقي) بقطع بعض من رؤوسها، لأنه ستظهر لها رؤوس بديلة في أحيائنا، وقرانا، وسجوننا، وعند جيراننا، حيث يتجمع المقصيون الغاضبون، من كل الأصول، في محاولة لخلق هدف، مهما كان أحمق، لحيواتهم اليائسة.
إذ في العمق، يجب علينا التعبئة للتصدي لليأس، ولتحقيق هذه الغاية يتعين استيعابه، طبعا دون القبول به والسماح له بالوجود.
لتحقيق هذا الهدف، يجب على هذه التعبئة الشاملة أن تعمل على منح معنى لكل الحيوات، على منح كل واحد، على قدر المستطاع، الوسائل الكفيلة بتحقيق ذاته في كنف هذا العالم، بطريقة سلمية وأخلاقية في الآن ذاته.
إن هذا الأمر يفترض القيام بأعمال عدة في كل المجالات، بدءا، كما العادة، بالتعليم. فكيف لا نتفهم يأس أولئك الذين يبلغون العشرين من أعمارهم دون شهادة أو مهارة، دون عمل أو أفق، بدون علاقات أو دعم إلا من الأوساط الخارجة عن القانون؟ بالنسبة إلى العديد من هؤلاء، تم كل شيء منذ مرحلة الروض: الذين يلجونه وهم لا يتقنون سوى 300 كلمة فرنسية، لا يتوفرون على أدنى حظ للنجاح في دراسة تتطلب إتقان 1500 كلمة منها منذ بلوغ السابعة!
كما يتعين تخصيص تأطير تربوي لهؤلاء في مرحلة الروض يكون أكثر تركيزا من ذاك الذي يكفي الأطفال الآخرين المستفيدين من محيط أسري يوفر لهم تلك الأسس اللغوية.
مدرس واحد لكل ثلاثة أطفال بدلا من مدرس لكل 20 طفلا: هذه هي القاعدة التي لا محيد عنها. وهذي لن تُكلفنا أكثر من الإصلاح الأخير وغير النافع لفترات التدريس.
طبعا، هذا لن يكفي، ولا يمكننا، مثلا، نسيان أن العديد من الانتحاريين الذين هووا بالطائرات على مركز الجارة العالمية بنيويورك ومقر البنتاغون بواشنطن في 11 شتنبر 2001، كانوا مهندسين تلقوا تكوينهم في أهم الجامعات الألمانية. وكان يتعين توفير مستقبل «أرضي» و»لائكي» لهؤلاء أيضا.
إن التعبئة ضد اليأس يجب أن تكون عامة وشاملة، وتفترض إظهار الحزم والثقة والتعاطف والاحترام، والإيثار وقيم المشاركة، في كل جوانب مجتمعنا.
كم نحن بعيدون عن هذا كله.
ترجمة مبارك مرابط
عن «ليكسبريس»