رسمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في تقرير جديد لها، صورة سوداء عن وضعية حقوق الإنسان في المغرب خلال سنة 2015.
واعتبرت الجمعية في تقريرها السنوي حول وضعية حقوق الإنسان بالمغرب خلال سنة 2015، الذي تم تقديمه صباح اليوم الخميس بمقر الجمعية بالرباط، أن سلوك الدولة في مجال حقوق الإنسان يتسم في سياقه العام بتراجعات كبيرة وملحوظة عن العديد من المكتسبات الحقوقية التي حققتها الحركة الحقوقية والقوى الديمقراطية والحركات الاحتجاجية والمطلبية، مبرزة أن التراجعات شملت جميع مجالات حقوق الإنسان.
[related_post]
استمرار في ممارسة التعذيب والتضييق على حرية الرأي والتعبير
على عكس التصريحات الرسمية لوزارة العدل والحريات التي تنفي وجود حالات تعذيب، أكد تقرير الجمعية أنه رغم اضطرار الدولة أمام النضالية للمجتمع المدني وضغوط اللجنة الأممية لمناهضة التعذيب، إلى سن قانون يجرم التعذيب سنة 2005، فقد استمرت ممارسة التعذيب شائعة في عدد من مراكز الاحتجاز كما في السجون، مشيرا إلى أن وتيرتها تشتد كلما عرفت الساحة المغربية أحداثا أو هزات اجتماعية سواء في إطار حملات مكافحة الإرهاب، أو في التصدي للاحتجاجات السلمية لحركة 20 فبراير، واحتجاجات النشطاء الصحراويين وطلبة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
وقالت الجمعية إنها رصدت ما يزيد عن 60 حالة تعذيب أو معاملة قاسية أو لا إنسانية أو حاطة من الكرامة.
واعتبرت التقرير أن استمرار التعذيب في المغرب مرده إلى عدم توفر الإرادة السياسية للدولة المغربية للقطع مع ممارسته في ظل استمرارها في انتهاك حقوق الإنسان بصفة عامة، الشيء الذي يفسر « استمرار إفلات مرتكبيه من العقاب »، مبرزا أن ما يزيد الأمر تعقيدا هو غياب أي استقلالية للقضاء ووجود قوانين زجرية مكبلة للحريات، تحتاج إلى تغيير جذري لتتلاءم مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.
وفيما يتعلق بالحريات العامة والحق في التنظيم والحق في التجمع السلمي والحق في حرية الرأي والتعبير، فقد سجلت الجمعية نزوعا قويا للدولة نحو المقاربة الأمنية القمعية لمصادرة الحريات والحقوق الأساسية للمواطنين والمواطنات عبر تشديد رقابتها على الحركة الحقوقية، وعلى مختلف القوى الديمقراطية، وفرض حظر عملي، غير قانوني، على الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، من خلال منع أنشطتها في الفضاءات العمومية ورفض تسلم الملفات القانونية ل46 فرعا من فروعها ورفض تسليم وصولات الإيداع القانوني الموقتة ل13 فرعا، و12 وصلا قانونيا نهائيا.
كما سجل التقرير طرد بعض ممثلي الجمعيات والهيئات الدولية التي تشتغل في مجال حقوق الإنسان، كما هو الشأن بالنسبة لمنظمة العفو الدولية، معتبرة ذلك تجاوزا تاما للأعراف والقوانين الدولية والتزامات المغرب نفسه.
وأشارت الجمعية أن الدولة ماضية في توسيع دائرة الحركات الممنوعة تعسفيا، ومتمادية في الرفع من وثيرة المنع والقمع والاستعمال المجاني والمفرط للقوة واللجوء للاعتقالات التعسفية وتوظيف القضاء للانتقام من المناضلين.
اعتداءات جنسية وعنف ضد السجناء
وضعية السجون المغربية، ليست أحسن حالا من باقي المجالات، بحسب تقرير الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فقد سجلت أن أغلب السجينات والسجناء يعيشون معاناة حقيقية تتمثل في الاعتداءات الجنسية عليهم، وخاصة على الأحداث منهم، وما يترتب على ذلك من أثار نفسية واجتماعية بليغة، وتنامي ظاهرة العنف والاعتداءات المتكررة عليهم من طرف موظفي السجون.
[related_post]
التقرير، كشف أيضا عن حجم الاكتظاظ المهول الذي تعرفه سجون المملكة، حيث يتم تكديس السجناء، بما في ذلك أثناء النوم وما ينتج عن ذلك من انتقال للأمراض المختلفة وخصوصا المعدية منها، مشيرا إلى أن معظم سجون المملكة تعرف اكتظاظا خانقا، مستدلا بالسجن المحلي بمراكش الذي لا تتجاوز طاقته الاستيعابية 700 سجينا، ويوجد به 2299 معتقلا بنسبة اكتظاظ تفوق 328 في المائة والطاقة الاستيعابية للسجن المحلي بالناظور التي لا تتجاوز إيواء أكثر من 840 سجينا، في حين يوجد فيه 1904 سجين، بزيادة بلغت نسبتها 140 في المائة، وغيره من السجون التي تفوق نسبة الزيادة فيها 150 في المائة، رغم بناء سبعة سجون جديدة سنة 2015.
إلى ذلك سجل التقرير تنقيل عدد من المعتقلين إلى سجون بعيدة عن مقرات سكن دويهم، وحدوث وفيات نتيجة الإمعان في عدم عرض السجناء المرضى على الأطباء أو نقلهم إلى المستشفيات لتلقي العلاجات الضرورية في الوقت الملائم، قبل تفاقم حالاتهم المرضية، كما وقف عند حرمان عدد من السجناء من العديد من الحقوق المكتسبة كالحق في متابعة الدراسة والحق في الحصول على الكتب والمجلات والجرائد، ووجود عدد كبير من السجناء الاحتياطيين.
استمرار الحرب على حرية المعتقد
وأوضح التقرير أنه رغم تصديق المغرب دون تحفظ على العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومصادقته على التصريح الختامي للدورة الخامسة والعشرين لمجلس حقوق الإنسان بجنيف 21 مارس 2014 المتضمن لالتزام الدول باحترام « حرية المعتقد وممارستها أو تغييرها أو عدم الاعتقاد، إلا أن السياسة الدينية للدولة، بحسب التقرير، « المبنية على وحدة العقيدة ووحدة المذهب في جميع مناحي الحياة العامة، تجعل المناخ العام يتميز عموما برفض ونبذ المختلفين دينيا ومذهبيا »، مشيرا إلى استمرار العمل بالفصل 220 من القانون الجنائي الذي ينص على معاقبة من ضبط بتهمة « زعزعة عقيدة مسلم ».
ولم يترك التقرير الفرصة دون أن يتوقف عند ظاهرة تكفير المثقفين والمفكرين والفنانين والتحريض ضدهم على خلفية اختياراتهم العقائدية أو الفكرية أو الفنية، وتواتر حالات الاعتداء والتنكيل بمواطنين ومواطنات من طرف أشخاص آخرين، بسبب هندامهم أو هوياتهم الجنسية.
وطالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين، من بينهم المعتقلين الصحراويين ونشطاء حركة 20 فبراير، معتبرة اععتقالهم اعتقالا تعسفيا، ووقف جميع المضايقات التي يتعرض لها المدافعون والمدافعات عن حقوق الإنسان والصحفيون والمثقفون ونشطاء حركة 20 فبراير ونشطاء الأحزاب السياسية، وكذلك الحاملون لمعتقدات دينية مخالفة للدين الرسمي للدولة.
وجددت الجمعية مطلبها بإقرار « دستور ديمقراطي علماني يضمن المساواة التامة بين جميع المعتقدات الدينية وبين كافة معتنقيها، ويفصل بين الدين والدولة، وتجريم خطاب التحريض على الكراهية والعنف على أساس العقيدة، وإقرار مدونة أسرة عصرية وديمقراطية وموحدة لجميع المغاربة، ومراجعة شاملة للمناهج التعليمية وإدراج مادة خاصة بتاريخ الأديان.