لا يمين.. ولا يسار!

06 مايو 2016 - 15:35

عادة لمّا يَنعت أحد نفسه بأنه “ليس يساريا ولا يمينيا”، فهذا معناه أنه ينتمي إلى اليمين، أو في أحسن الأحوال، إلى “الوسط”، الذي لا يعدو كونه في أغلب الحالات اسما آخر لليمين، كما تؤكد ذلك الحياة السياسية الفرنسية منذ 30 سنة.
بدءا، ماذا نقصد بـ”اليمين” و”اليسار”؟ لقد ولد المفهومان بفرنسا، بناء على الجهة التي كان يجلس فيها النبلاء و”الطبقة الثالثة” («tiers état» أي ممثلو الطبقات الشعبية) خلال اجتماع “الهيأة العامة” (les etats generaux) في ربيع 1789. إذ جلس النبلاء على يمين عرش الملك، بما أن ذلك امتيازا لهم، تركوا يساره للطبقة الثالثة، والوسط لرجال الدين. ومنذ ذلك الحين أخذ المفهومان بعدا عالميا، محتفظين دائما بالتعريف نفسه رغم تكييفهما مع ظروف كل بلد على حدة: ينتمي إلى اليسار كل من يريد إلغاء الامتيازات، كما هو حال الطبقة الثالثة قبل أكثر من 200 عام؛ وينتسب إلى اليمين كل من ينشد الحفاظ عليها، كما هو حال النبلاء.
ولكن ماذا نقصد بـ”الامتيازات” (privileges)؟ طبعا تغير معنى هذه الكلمة مع مرور الزمن وتغيُر المكان. فهي تعني الحصول على فوائد ومصالح دون أساس قانوني. في الولايات المتحدة، يتعلق الأمر، بشكل واضح وحصري تقريبا، بامتياز الثروة المفرطة أو الموروثة. أما في بريطانيا، فيتعلق الأمر بامتيازات أصحاب الأملاك العقارية والفاعلين في الحقل المالي.
هل يمكن اليوم، بفرنسا أن ندخل ضمن امتيازات الثروات المكتسبة من الإرث؟ الامتيازات الضريبية وتلك المخولة للمنتخبين؟ الرأسمال الثقافي لعائلات المدرسين؟ الأنظمة الخاصة للتقاعد؟ شروط الولوج إلى المهن المنظمة؟ في تقديري، نعم. لأنها ليست في متناول الجميع وبشكل متساو، حتى لو تم بذل أفضل الجهود.
تعتبر الامتيازات عائقا أمام السير الحسن للمجتمع. فهي تمنع الحركية الاجتماعية (mobilité social)، وتحشر كل واحد في الخانة التي ولد فيها. وهي لا تحفز لا على بذل المجهود ولا على الإبداع، وهما فعلان لا يكتسيان المعنى سوى في ظل وجود أمل بالتقدم. وبالتالي يمكننا أن نعتبر كل من يسائل هذه الامتيازات منتميا إلى اليسار، وكل من يعمل على بقائها منتسبا إلى اليمين.
بهذا المعنى، لم يحكم فرنسا، منذ 30 سنة، سوى أناس من اليمين، وحتى ولو ادعوا انتماءهم إلى اليسار، مع بعض الاستثناءات. لم يحكمنا في الواقع سوى “يمينات” اليسار و”يمينات” اليمين، لأنه لم تتم إعادة النظر في أي امتياز.. لأن أحدا لم يرغب في تجشم عناء القيام بهذه المهمة.. لأن البرنامج المشترك لليمين واليسار على حد سواء هو مفهوم الـ”لا فعل” (وو وي) العزيز عند “لاو تسو” (الحكيم الصيني الشهير وأحد مؤسسي “الطاوية”).
بالتالي كيف ستكون طبيعة “الفعل” في فرنسا 2017؟
بالنسبة إلى يسار اليمين، لعل ذلك “الفعل” سيتجلى في إلغاء كل الامتيازات، كما كان يرغب في ذلك بعض النبلاء في 1789، أما بالنسبة إلى يسار اليسار، فيتمثل في منحها للجميع.
في تقديري، يتعين على أي برنامج سياسي حداثي حقا أن يخول كل الامتيازات للجميع لما يكون تمويلها ممكنا (مثل الولوج إلى تعلم اللغات، والثقافة، والأمن والصحة والتكوين المستمر والسكن). ويجب عليه إلغاؤها لمّا يستحيل اقتصاديا تعميمها (مثل وضع المنتخبين، الأنظمة الخاصة للتقاعد، أو الريع بكل أصنافه).
إذا كنا نفكر بهذه الطريقة، فلا يتعين علينا أن نصف أنفسنا بالقول “لست من اليمين ولا من اليسار”، بل “أنا من يسار اليمين ويسار اليسار”.
من نافل القول إنه يتعين التوفر على قدر كبير من الشجاعة لإرادة هذا الأمر، وعلى الموهبة البيداغوجية الضرورية للإقناع بجدواه. كما يجب إبداء الكثير من نكران الذات للقيام به في ماي 2017 (موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية) على أبعد تقدير.
إن ساعة الحقيقة تقترب، بل هي في تقديري قد فاتت. وها أنا أنتظر على أحر من الجمر أن نخرج من شرنقة المفاهيم لكي نطرح البرامج.
ترجمة: مبارك مرابط عن “ليكسبريس”

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.