كيف يصنع النجوم في المغرب؟

14 مايو 2016 - 09:01

تحول بعض السياسيين، مع توالي نتائج استطلاعات الرأي الوطنية والدولية التي تبوئهم مركز الصدارة بين منافسيهم، إلى نجوم سياسة يثيرون الإعجاب، ويحظون بمتابعة جماهيرية واسعة أينما حلوا وارتحلوا. الاستطلاع الأخير لمؤسسة «يوغوف»، مثلا، وضع رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، إلى جانب فنانين ورياضيين مغاربة، أمثال بدر هاري وسعيدة فكري ونزهة بيدوان وآخرين، في مقدمة الذين يحظون بإعجاب المغاربة. فكيف تصنع النجومية في المغرب؟ وما هي محدداتها؟

النجومية.. من الفن إلى السياسة

برز مفهوم «النجم» Star في السينما لأول مرة. في كتابه «نجوم السينما»، يؤرخ إدغار موران جيدا هذا البروز. التحول بدأ في وظيفة آلة التصوير التي كانت «غايتها نسخ الواقع وصارت آلة لفبركة الأحلام»، ما مهد للانتقال من «الفيلم–النجم إلى أفلام النجوم».
لم تكن السينما في بدايتها تعرف النجوم، خصوصا في مرحلتها الصناعية التجارية الأولى، لكن ابتداء من سنة 1910 ولد النجم، بفعل «التنافس الشرس بين مختلف شركات الإنتاج السينمائي في أمريكا»، وقد واكب ذلك التطور، في نظر موران، «تمركز الرأسمال في قلب صناعة الأفلام»، وبشكل تدريجي «صار النجوم الكبار حكرا على الشركات الكبرى وملكا لها»، بل «أصبح نظام النجوم عملية تصنيع صرفة».
ويبقى الإعلام الجماهيري وسيلة فقط، بحاجة إلى مادة للاستعمال، يقول موليم العروسي، «مادة ليس فيها تفكير بالضرورة». ومن هنا تأتي أهمية صانعي النجوم.
في كتابه المذكور آنفا يقول موران: «هناك شبكة تصنيعية حقيقية تصطاد الفتيات الجميلات عن طريق كشف المواهب، وهي شبكة تعمل على إمدادهن بمقاييس نموذجية، وتغيير أشكالهن، وتكييفهن، وتجميلهن، وصقلهن، وجعلهن نجمات بكل ما في الكلمة من معنى».
لكن امتداد فكرة النجم خارج السينما ستبدأ بعد الحرب العالمية الثانية. ربيع الجوهري، مخرج سينمائي، قال لـ«أخبار اليوم» إنه بعد تلك الحرب «تشكل وعي واسع بأهمية الإعلام الجماهيري»، لأن الجماعات والأحزاب والدول انتبهت إلى أنه بفضل هذا الإعلام «يمكن الوصول إلى أكبر عدد من الناس».
يضرب الجوهري المثل بصعود أوباما الذي وجّه الأمريكيين من خلال التصويت له رئيسا، نحو فكرة رئيسة وهي «إنهاء التاريخ العنصري في أمريكا»، تماما كما فعلت مجلة فرنسية حين اختارت غلافا لها صورة طفل أسود يحمل العلم الفرنسي، لكي تبلغ رسالة للفرنسيين بأن هناك سودا فرنسيين كذلك.
لقد فرض الإعلام الجماهيري البحث عن رموز يصنع منهم نجوما بغرض تسويق سلعة أو فكرة، لا فرق، وهكذا صارت «صناعة النجوم» -يقول ربيع الجوهري- حرفة تمتهنها «اتجاهات هوياتية أو سياسية أو إيديولوجية»، أو «تجارية واقتصادية»، كما يمكن أن تكون في «التعليم والتربية والثقافة»، مستفيدة من تداخل حقول معرفية مختلفة، أبرزها السيميائيات واللغة والتواصل والعلاقات العامة.

نجوم مغربية بدون صناعة

وفق نتائج استطلاع الرأي البريطاني، تبوأت المراتب الأولى ثلاثة أصناف من الفاعلين: السياسي (بنكيران)، والرياضي (بدر هاري)، والفنان (سعيدة فكري)، ما يجمع بين هؤلاء هو احتكاكهم اليومي بأوسع شرائح المجتمع، وكلهم استطاعوا نيل إعجاب المغاربة، رغم أن طبيعة العلاقة بين السياسي والمواطن ليست هي نفسها بين الفنان والمواطن. لكن هل لدينا صناعة للنجوم في المغرب؟
يرى نور الدين عيوش، رجل أعمال مختص في الإشهار، أن المغرب لا يتوفر على هذه الصناعة بعد، مشيرا إلى أنها صناعة أوربية وأمريكية بالأساس، لكنه أشار إلى أن دول عربية بدأت توظف هذه الصناعة الجديدة، خاصة في لبنان وبعض دول الخليج.
ورغم أن ربيع الجوهري يوافق على الرأي نفسه، إلا أنه يفسر غياب صناعة النجوم في المغرب بإهمال الرأسمال لها، فهي كأي حرفة كانت الشركات الرأسمالية الكبرى وراء تطورها في الغرب، وهذا العنصر غائب لحد الآن في المغرب، ما يفتح الباب أمام المبادرات الفردية التي قد تشتغل بطريقة تقليدية أحيانا، وتفتقر إلى التراكم والتأثير.
بيد أن غياب صناعة النجوم في المغرب لا يعني غياب نجوم. في السنوات الأخيرة، استفاد ممثلون وفنانون (دنيا باطما، أسماء المنور، سعد المجرد، حاتم بنعمور، أحمد شوقي…) من وجود هذه الصناعة في بعض دول الخليج ولبنان، ومنهم من برزت مواهبهم الغنائية خلال مشاركتهم في برامج غنائية معدة لهذا الغرض مثل (The Voice)، قبل أن تتلقفهم شركات استثمارية صنعت لهم الشهرة عربيا، وسمحت لهم بولوج عالم النجومية.
لكن اللافت للانتباه في السنوات الأخيرة أن الشهرة أو النجومية تعدت ما هو فني ورياضي نحو السياسي والديني كذلك. الجوهري يعتبر أن السبب في ذلك هو أن صناعة النجومية استطاعت أن تبلور «وصفة أثبتت نجاعتها»، وتمزج بين السيميائيات واللسانيات والتواصل والعلاقات العامة فضلا عن الصحافة، وأثارت الانتباه إليها، ما دفع السياسيين بدورهم، خاصة في الغرب، إلى تجريبها.

عوامل تصنع النجومية

لكن ثمة عوامل تصنع النجومية، ذلك أن تصدر الملك محمد السادس والأميرة لالة سلمى نتائج الاستطلاع يرجع، حسب موليم العروسي، إلى التركيز الإعلامي على شخصيهما ومبادراتهما وأفعالهما، فهما «يوجدان في كل قنوات التواصل، من دفاتر المدرسة إلى الشاشة الصغيرة بحكم موقعهما» على رأس الدولة.
في حين يحدد الجوهري ثلاثة عوامل أساسية تستعمل من أجل الرفع من الشهرة وصناعة نجومية هذا السياسي أو غيره، الأول سمّاه بـ«عامل التكرار»، حيث يتم التركيز على مسؤول أو فنان أو سياسي من قبل مختلف وسائل الإعلام الجماهيري، «إذ قد تجده في الشارع، في المنزل، في العمل، تحاصرك أخباره وصوره وأفعاله»، هذا التركيز «يترسخ في لاوعي الناس»، حتى إذا سئلوا عمن يعجبهم من الفنانين أو السياسيين أو المسؤولين «يكون الجواب هو الشخص الذي يحضر بشكل مكرر في لاوعيهم أكثر من غيره».
تلجأ وسائل الإعلام الرسمية كثيرا إلى هذا الأسلوب، فنشرات الأخبار تخصص حيزا واسعا منها للحديث عن حركات وسكنات رئيس الدولة، أو بثّ أغاني فنانين بعينهم وإقصاء غيرهم، أو منح حيز زمني أوسع لبعض السياسيين وإقصاء غيرهم. التركيز مع التكرار، في مقابل التهميش أو الإقصاء، ليس سوى جزء من خطة معينة في تسويق شخص معين بغرض نيل إعجاب الناس وتأييدهم.
لكن التكرار، أي الحضور الدائم لا يكفي، بل شكل الحضور نفسه، أي الدلالات السيميائية التي يتمتع بها الشخص في الفضاء العام. يلعب اللباس، وطريقة الكلام وسياقه، وطريقة تركيب الصورة في الإعلام، وكما يتلقاها المشاهد، دورا رئيسا في نيل إعجاب وتعاطف وتأييد الناس. على سبيل المثال، قد يسوّق سياسي معين انطلاقا من صفة العفوية والتلقائية لتأكيد صفة الصدق فيه، وقد يلجأ إلى طريقة معينة في اللباس لتوصيل رسالة مفادها أنه ابن الشعب لا يختلف عنه في أي شيء.
إضافة إلى ذلك، يستعمل عامل آخر في صناعة نجومية الأفراد، سياسيين ومسؤولين وغيرهم، يتعلق بتوظيف البعد الإنساني، أي القرب من الناس، وحب فعل الخير لأجلهم، والفرح لفرحهم والحزن لحزنهم. هذا البُعد -يقول الجوهري- يحرص عليه السياسي أو الفنان وغيرهما، للتأكيد القيم التي يتمثلونها ويسعون إليها. على سبيل المثال، تعكس كلمة «ملك الفقراء» هذا البعد الإنساني في السياسة الملكية، وهي الرسالة نفسها التي يتضمنها كلام بنكيران حين يقول: «أنا ولد الشعب»، أو حين لا يتردد في البكاء أمام الناس، ويشرح: «أنا رجل عاطفي».

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

amin sadi9 منذ 6 سنوات

ضعفت قيمة المقال عندما اعتبرتم ان ابن كيران يعجب المغاربة و صنفتموه بين النجوم !!!!!!!!!!!! ....