كيف حالكم؟

02/06/2016 - 12:18
كيف حالكم؟

من الطبيعي الرد على مثل هذا السؤال المتكرر والمبتذل جدا بنوع من الاستخفاف مع الاكتفاء بالتلميح، دون الدخول في تفاصيل ما قد يُصيبنا حقا حتى لا يتم نعتنا بالمزعج، الذي يجرؤ على بسط مشاكله الشخصية أمام أناس لا تهمهم في شيء. ومن بين الردود الأكثر شيوعا، والتي تُخفي بشكل أفضل من غيرها الحقيقة، خلال الأحاديث اليومية بين شخصين، يمكن ذكر: « كل شيء على ما يرام »، « أتمنى لو يكون الأمر أفضل »، و »الوضع أفضل الآن ».
يعبر التعبير الأول، بشكل فضفاض تماما، عن كون الوضع في أحسن مستوى يمكن للمرء أن يتمناه. أما العبارة الثانية، فتُوحي، على استحياء، بأن المتاعب تتراكم، وبأن الوضع دون « المستوى الطبيعي ». في حين تشير الجملة الثالثة، وبشكل موارب، بأن الوضع الذي كان متدهورا، ينحو نحو ما كان عليه في السابق.. بأننا نخرج من « الحالة المرضية » إلى « الوضع الطبيعي ».
لما تُوظّف هذه التعابير لوصف سياق جماعي وليس ظروفا فردية فقط، فإنها تكتسي دلالة مختلفة نوعا ما. فالأول يشير إلى عدم وجود أي أزمة تشوش على مسار الأمة. ولا يوجد اليوم قائد، في أي بلد كان، بإمكانه قول هذه العبارة، اللهم في بعض الممالك الخرافية. أما الجملة الثانية، التي تلخص الشعور الأكثر شيوعا، فإنها تصف وضعية بعيدة، وبشكل فضفاض، عن المستوى الأمثل. في حين توحي الثالثة بأن وضع البلاد كان أفضل في السابق، وبأن الأمور في طريقها لتعود إلى ما كانت عليه.
بعبارة أخرى، يتضمن تعبير « الوضع أفضل الآن » فكرة مفادها أن الأمور كانت في مستوى أفضل في الماضي، وأن كل ما يمكن للفعل السياسي السعي إلى تحقيقه هو وضع سابق. والذين يستعملون هذا التعبير فهم يسعون إلى خلق « توقعات إيجابية »: لما يقتنع الناس بأن الأمور أفضل، فإنهم يستهلكون أكثر، يستمثرون، ولا يخشون المخاطرة. والادعاء بأن الأمور تتحسن، فيه رغبه في خلق الشروط الكفيلة لبلوغ ذلك من خلال نبوءة تتحقق ذاتيا.
بيد أن اختزال النقاش السياسي في صيغ هزيلة، محبط للغاية. فمن المؤسف جدا اختصار التشخيص في « الوضع أفضل الآن »، والأمرُّ مناقشته بشكل جدي. ولكن ما هو الوضع الذي « صار أفضل الآن »؟ الشغل؟ الأمن؟ النمو؟ السعادة؟
إن دور السياسي ليس هو إعادة البلاد إلى وضع سابق، يعتبر « طبيعيا »: ليس هناك ما هو « طبيعي » ولا « مَرَضِي » في السياسة. هناك فقط، أوضاع لا تتوقف عن التجدد.. أوضاع تخضع لعوامل (parametres) متعددة، فردية وجماعية. ومصير أمة لا يتحقق بالتردد بين وضع « طبيعي » وآخر « مَرَضِي ». والسياسة الجيدة لا تُقاس بمعايير الطب.
من خلال تركيز النقاش على قضية بهذا الهزال – كما نفعل في فرنسا هذه الأثناء- فإننا نقر بأن البلاد يعوزها تصور واضح للعالم.. بأنها لا تملك أي « رواية » (recit) عن تاريخها، أي مشروع حول مستقبلها.
إن النقاش حول معرفة إن كان « الوضع أفضل الآن »، يعني الاعتراف بأن كل شيء في وضع سيء للغاية. إننا نرفض – ونحن كثيرون على ما أعتقد – الاستسلام لهذا الوضع. فنحن، وعددنا كثير جدا، نعتقد أن البلاد ستكون في وضع أفضل بكثير إن لم نطرح مثل هذه الأسئلة.

ترجمة مبارك مرابط، عن « ليكسبريس »

شارك المقال