بْرُوفَا!

02/06/2016 - 11:34
بْرُوفَا!

أقبلت نجوى فؤاد بصدرها المتقدم على ضيوف الرئيس أنور السادات في رقص خليع، فلما أدار لها الوزير الفقيه متولي الشعراوي ظهره، نهره أحد الموظفين قائلا: »يقول لك الرئيس اعتدل في جلستك » فغادر القاعة، لكي يغادر وزارة الأوقاف لاحقا عندما دُعِي في شهر رمضان نهاراً لإلقاء محاضرة أمام صديقات جيهان السادات، فوجدهن مفْطِراتِ يُدَخِنُّ السجائر ثم قدم استقالته !!
وقد عجب الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه من هيئة عامل له في مقتبل العمر يرتدي رث الثياب بنعل ممزق، وقد علم أن رزقه موفور، ثم عاينه يتأفف من الأكل الخشن الذي قُدِّمَ له فأقاله بعد أن سمع من يَقُولُ له: « لقد سَأَلنَا قبل مجيئه عن أي الهيآت أحب إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عُمّاله، فلما أومأنا إليه بالخشونة، فعل ما فعل » !
إسْتِقَالةٌ وإقَالةٌ: الأولى تعيد سيرة علمائنا وقضاتنا ومفكرينا الذين لم يقبلوا أن يذبحوا يغير سكين، فرفضوا المناصب البراقة لإدراكهم سلفاً أن صك القبول بها مشدود إلى حبل التنازل عن أفكارهم، وهم قلة قليلة في زمننا !
والثانية حاضرة متجددة بيننا: وراء الكواليس تهيء » بْرُوفَا » المنصب بإحكام استعدادا لأداء الدور، فَتُظْهِرُ الشخصية من هذا الفصيل ما يرضي الذوق وبثلج الصدر وينعش الأحلام ويلغي المبدأ والمنطق والنضال إلى حين من الوقت !
وقد عبر عن هذا المعنى رَبُّ العمل الفرنسي الذي كلمّا حدد سنا معينة لِقَبُولِ لعماله أجابوه: ليس أمر مستحيلا، لا فرق بين أن تطلبنا صغارا أو كبارا. فنحن نغير أعمارنا بكل يسر بدفاتر الحالة المدنية.
لم يَخْشَ كبار العلماء من المنصب لذات الخشية، بل هم رأوا أن المرء ينسى نفسه عندما يلج في خضم هائج مائج فيضطر ليخالف ما آمن به وتربى عليه، ليجد ذاته بعد فوات الأوان غير قادر على الرجوع إلى نقطة الانطلاق !
فالكاتب الكبير، ذو المبادئ الخالدة فقط في مؤلفاته، في سياق محموم نحو منصب مّا، يصبح حرباء تأخذ لون البساط الذي تقف برجليها عليه، هو لا شك مستفيذ ممّا أتَاهُ، لكنه خسر نفسه بكل تأكيد !
والمناضل الأشعت، المنحني الظهر، الحامل تحت ربطة جرائده بمقالاتها، وأشعارها، في لحظة ضعف يقبل برغيف المنصب، فيتهيأ له بما يناقضُ أفكاره، ظنا منه أن حيلته انطلت على من يرغب فيه، وما هو إلاّ كهيئة العامل الذي فَطِنَ به الخليفة عمر بن الخطاب .
يقول صاحبي: كلمّا زار مَرْفِقَناَ وقد رسمي، إلاّ واختفى رئيسه وراء الكواليس، وأعد « بْرُوفا » مسرحية تليق بالمقام، ولا يجد ذنبا في أن يؤم بالوفدْ الزائر للصلاة فترتفع سهامه في بُورصَة المناصب !
الإعداد الجيد للتمثيليات والأفلام، لم ينطل على الملك الراحل الحسن الثاني، عندما وهب للفنان القدير ذات الفِيلا التي أخفاها مدعيا أنه بدون سكن.
وفي لقطة كوميدية، عندما ضاق الرئيس ذرعا من سلوك مرؤوسه الذي دأب على انجاز ما كلف به بعد أن تنتهي ساعات العمل زاعما أنه مواظِب نهره غاضبا:
ـ أنا أعرف أنك لا تأتي إلى الإدارة إلا في وقت متأخر بعد قضاء نزواتك لتوهمني أنك طيلة اليوم بها. اسمع: احترم أوقات العمل ! انتهى الكلام. ثم فرقع الباب في وجهه !!
هذه الأفلام المكسيكية المطولة لا تنال من مواقف صارمة لاتَجْتَهِدُ في ما فيه نص ديني أو قانوني أو أخلاقي صريح، لا تقبل بالفتات، تغادر المجالس متى خشيت على نفسها الانزلاق، وتسْتقيل إذا أريد بها أن تكون دمية عاشوراء !
هي شبيهة بالفقيه العالم الشيخ متولي الشعراوي الذي أجاب من قال له إعْتَدِلْ قائلا:  » اعتدل أنتّ » الحمد لله الذي أذاقنا لذة المنصب حتى لانشتاق إليه أبدا، فنتفرغ بقلوبنا وجوارحنا لمهنتنا الأساسية وهي الدعوة إلى الله »

شارك المقال