عائشة البصري:ورثتُ جرأتي عن والدي الذي حارب مع الفرنسيين وضدهم

08/06/2016 - 02:01
عائشة البصري:ورثتُ جرأتي عن والدي الذي حارب مع الفرنسيين وضدهم

عائشة البصري، الناطقة السابقة باسم بعثة الأمم المتحدة في دارفور، تفتح كتاب حياتها لـ«اليوم24». قضت في الأمم المتحدة 15 سنة، قبل أن تتخلى عن منصبها والامتيازات المرتبطة به من أجل قول الحقيقة حول ما يجري في «دارفور»، قبل أن تحصل على جائزة «رايدنهاور» لـ«كاشفي الحقيقة»، التي فاز بها قبلها بعام واحد إدوار سنودن، تكشف كل التفاصيل المرتبطة بحياتها ووظيفتها، لأن الأمرين مترابطان بالنسبة إليها، وتقودنا عبر سلسلة متتالية من الأحداث لفهم كيف بُنيت شخصية مغربية امتلكت، في نهاية المطاف، الجرأة على تحدي ومواجهة منظمة الأم المتحدة.

كنت موظفة عالية المستوى في منظمة الأمم المتحدة، والكثيرون لا يعرفون أنك «منتوج مغربي» خالص، إن صح هذا التعبير.. أي أنك نشأت وتربيت ودرست في البلاد. هل تستطيعين شرح عناصر تكوينك المغربية للناس؟
لقد نشأت في وسط عائلي مميز، فقد كنت المولود الثالث في أسرة تتكون من سبعة أبناء، أربع بنات، وثلاثة ذكور. لقد تربيت في الحي المحمدي بالدار البيضاء، كانت أسرتي متواضعة. لم تكن تختلف عن غالبية العائلات المغربية، وتأثرت داخل وسط الأسرة بجانبين؛ أحدهما يتعلق بالوالد، والثاني يرتبط بالوالدة. لقد كان أبي عسكريا في صفوف الجيش الفرنسي عام 1943، وشارك في معارك كثيرة بجانب الفرنسيين وقتها، وعاش أوقاتا عصيبة، لأنه عاين عن كثب أهوال الحرب العالمية الثانية. وبالرغم من أنه لم يكن موجودا في الجبهات الأوروبية، فإن قيادته بعثت به إلى جبهات في الجزائر وتونس. لقد كان عضوا في كتيبة القناصين، ولم يكن أمرا سهلا حينئذ. وبعدها، أرسلوه إلى الهند الصينية، أي الفيتنام وكمبوديا ولاوس، ما بين 47 و48، وهنالك تزوج بسيدة فيتنامية، وكان مهرها كيس من الأرز وكيس من البن، وقد رزق بابن من هذا الزواج. وللأسف الشديد، لا أعرف أي شيء عن أخي الموجود هناك. لقد عاد أبي عام 49، ولم يكن بإمكانه أن يستقدم معه زوجته وابنه، وكنت على الدوام أخطط للعودة إلى تلك المنطقة لأبحث عنه، لكني لم أستطع فعل ذلك حتى الآن. لقد سماه محمد، ولا أعرف مصيره.

ألم تتمكنوا من تحديد مكان وجوده في أي موقع على خريطة البلدان الثلاثة للهند الصينية؟
حسب ما قيل لنا، فهو موجود في منطقة تدعى تانكان، لكني لا أعرف في أي بلد تقع الآن على وجه التحديد. لم أبحث عن هذه التفاصيل على خريطة، وأنا ألوم نفسي على هذا، لكني أخطط بشكل جدي هذه المرة، للبحث عن أخي الآخر. سأذهب إلى هناك حتى وإن كنت لا أعرف ما إن كان لايزال على قيد الحياة. إن كان كذلك، فإن عمره سيكون الآن سبعين عاما. لقد تهاونت في فعل ما يلزم للعثور عليه، وأعترف بخطئي هذا. لقد خططت في إحدى المرات للذهاب إلى هناك للبحث عنه هو ووالدته، لكن ظروفا حالت دون تحقيقي لذلك. إني أشعر بالألم لأن لدي أخا لا أعرف عنه أي شيء.

ثم عاد والدك إلى البلاد. ماذا فعل حينها؟
لقد رجع إلى البلاد، بعدما اكتشف أن من كان يحاربهم في الهند الصينية لم يكونوا سوى أشخاص يدافعون عن بلادهم. لقد صدم لذلك، لأن أولئك كانوا يفعلون ما كان يفعله الكثير من المغاربة في تلك الفترة، أي محاربة المستعمر. وبالطبع، لم يقف والدي مكتوف اليدين، حيث قاد، وهو ضابط في الجيش الفرنسي، تمردا بمعية تسعة أفراد من كتيبته في قاعدته بحي بوشتنوف. لقد أعلن ولاءه للسلطان محمد الخامس، ودفع ثمن ذلك التمرد، لأن الفرنسيين لم يكونوا مستعدين للتسامح مع أي تمرد عسكري داخلي ضد مصالحهم. وهكذا، فقد تعرض والدي للطرد الفوري من الجندية بعدما قضى عشر سنوات في الخدمة، من 43 حتى عام 53. لحسن الحظ أنهم لم يوجهوا إليه أي تهمة، لكنه حُرم من كافة حقوقه، ومكث في بيته مريضا وبدون عمل لفترة طويلة. لقد تنقل في وظائف غير قارة حتى حصلت البلاد على الاستقلال.

هل رد إليه اعتباره حينئذ؟
لقد وظفوه في قوات التدخل المتنقلة بالدار البيضاء. لقد كان مسرورا بذلك لأن والدي كان من أولئك الناس الذين لم يستطيعوا مفارقة حياتهم العسكرية. لقد كان الجيش بالنسبة إليه كل شيء، وكان يفرح كثيرا عندما يناديه الناس بالمحارب. كان يشعر بنشوة كاد الاستعمار يحرمه منها بشكل نهائي حينما طرده. لقد كان رجلا ذا جرأة وشجاعة منقطعتي النظير. لقد تأثرت بذلك على نحو شخصي، وربما إن شئت القول، فقد حصلت منه على الجرعة المنسوبة لي من الشجاعة والجرأة. كانت محصلة تربيتي على يديه، وكان أيضا حريصا على دراستي أنا وأشقائي. لم يكن يهمه أي شيء آخر في هذا العالم غير ذلك،  كانت تلك آلية تعويضية بالنسبة إليه بوصفه رجلا أميا، وبالرغم من أنه كان يتحدث اللغة الفرنسية إلا أنه تعلمها عن طريق المعايشة وليس عن طريق الدراسة. لقد كان يتحسر دوما على عدم تعلمه، وكان حريصا على أن نحظى نحن بالتعليم الضروري والمناسب.

وبالنسبة إلى عائلتك من جهة الوالدة.. هل كان الأمر مشابها؟
يمكنني القول إن عائلة والدتي كانت مختلفة عما كان عليه الحال مع والدي، ولكن هناك التقاء بينهما، فقد كان خالي محمد أمتاري –وقد توفي قبل شهر- رجلا مقاوما في الفترة التي عاد فيها والدي من الهند الصينية، وبعد الاستقلال شارك في معارك ضمن جيش التحرير في الصحراء. لقد كان يروي لي دائما قصصا عن الحروب والبطولات. يمكنني القول إنني تأثرت بكل من والدي وخالي، حيث تربيت على معان سامية في الحياة، مثل الشهامة والمقاومة والشجاعة في المعارك، وعدم السماح بإهدار كرامتك، وألا تسمح للآخرين بأن يفرضوا عليك أن تغمض عينيك عن شيء سيئ وغير صالح. وبشكل رئيس، تربيت على أن الانفتاح على الآخر وعلى العالم أمر ضروري في حياة المرء. لقد كانت تجربة والدي ملهمة في هذا الصدد، لأنك لا تعرف نفسك جيدا سوى بالقدر الذي تعرف فيه الناس خارج حدودك.

شارك المقال