عائشة البصري:لم يكن ينقصنا شيء في زمن التعليم والصحة بالمجان

09/06/2016 - 15:23
عائشة البصري:لم يكن ينقصنا شيء في زمن التعليم والصحة بالمجان

عائشة البصري، الناطقة السابقة باسم بعثة الأمم المتحدة في دارفور، تفتح كتاب حياتها لـ«اليوم24». قضت في الأمم المتحدة 15 سنة، قبل أن تتخلى عن منصبها والامتيازات المرتبطة به من أجل قول الحقيقة حول ما يجري في «دارفور»، قبل أن تحصل على جائزة «رايدنهاور» لـ«كاشفي الحقيقة»، التي فاز بها قبلها بعام واحد إدوار سنودن، تكشف كل التفاصيل المرتبطة بحياتها ووظيفتها، لأن الأمرين مترابطان بالنسبة إليها، وتقودنا عبر سلسلة متتالية من الأحداث لفهم كيف بُنيت شخصية مغربية امتلكت، في نهاية المطاف، الجرأة على تحدي ومواجهة منظمة الأم المتحدة.

بالنسبة لعائلتك من جهة الوالدة.. هل كان من تأثير؟
من جهة الوالدة كانت ذكرى حروب أخرى حاضرة وبقوة أيضا. كان خالي الملازم سمحمد أنصاري، الذي فارقنا قبل أقل من شهرين، كان وطنيا، و شهما، ونزيها. قاوم المرحوم الاستعمار الفرنسي ببسالة. وبعد الاستقلال التحق بالقوات المسلحة وخاض معارك طاحنة في الصحراء في السبعينيات وبداية الثمانينيات وحدثنا عنها بتفاصيل قد يجهلها عدد من المغاربة. كان خالي يتمتع بروح وطنية صادقة ويشكل بمفرده ذاكرة رجال خاضوا حقبة هامة وعصيبة من تاريخ المغرب ندين لهم بالكثير. وأظن أحيانا أن تواجدي في مناطق حرب سواء تعلق الأمر بالعراق أو بدارفور لم يكن محض صدفة، لأن الحرب بكل تفاصيلها كانت مألوفة بالنسبة لي من خلال مسار كل من أبي وخالي.

 ألم يكن لوالدتك تأثير على تكوين شخصيتك في تلك المرحلة؟
بلى، كان ولا يزال لها تأثير كبير علي. والدتي سيدة متدينة، طيبة تعرف بالصدق. وإن كانت أكثر تدينا من والدي فهذا يرجع لتربيتها. فلقد كان جدي رحمه الله فقيها وإمام مسجد. وعندما توفي والدي في عام 1980، أصبحت أمي أرملة وهي في بداية الأربعين من عمرها وقادت سفينة أسرتنا بكل تضحية وتفان. ولأننا كنا ولازلنا نشكل كل حياتها فإني لا أتذكر أنها اشتكت يوما من كونها قضت أكثر من نصف حياتها كأرملة. كل ما يمكنني أن أقول بشأن الوالدة هو: الله يطول في عمرها.

وهل كانت ظروف عمل والدك ملائمة حياتك الطفولية؟
كانت طفولتي مرحة ومشمسة قضيت معظمها في مدينة الجديدة الهادئة. لم يكن ينقصنا شيء في زمن التعليم والصحة بالمجان، على الأقل بالنسبة لحاضرة المدن المغربية. كان أبي يحبذ تنقيلات العمل التي صاحبناه في معظمها من الدار البيضاء إلى مكناس ثم الجديدة و الرباط وكانت القنيطرة آخر محطة له قبل أن توافيه المنية عن عمر لا يتعدى السابعة والخمسين. ويمكن أن أقول بأن حالة التنقل التي عشتها في طفولتي لم تتوقف مع وفاة أبي. بل طبعت حياتي فيما بعد بين الحل والترحال وشيء من التيه.

كيف عشت وفاة أبيك؟
كانت فاجعة كبرى. ما أحزنني يوم وفاة أبي هو رحيله المفاجئ إثر أزمة كبد حادة دامت أقل من أسبوع. رحيل بدون مقدمات أو ترتيبات أسدل الستار على زمن الطفولة. لم تبقى إلا ذكرى محارب و أوسمته و قصص حرب « لاندوشين » البعيدة وأخ مفقود هناك. ثم بدأت مرحلة أسئلة الحياة والموت وما بعد الموت، أسئلة كبيرة وقاسية على صبية صغيرة وجدت أجوبة لبعضها وتعايشت مع الشك الذي يحيط بالبعض الأخر. وما حز في نفسي أكثر هو كون فرنسا التي حارب من أجلها والدي ستخذله أيضا بعد وفاته، إذ حرمت أسرتنا من حقه في المعاش بعد إحدى عشرة سنة و سبعة أشهر من الخدمة في صفوف قوات القناصة المغاربة عقابا على تمرده على القوات الفرنسية خلال حرب الاستقلال. كان هذا هو أول درس لقنته لنا فرنسا في احترام حقوق الإنسان. لكن رغم ذلك لم يتسلل الحقد على هذا البلد إلى قلبي ربما لإعجابي الشديد بلغته وآدابه وثقافته التي لم أكن أعرف عنها إلا القليل. بعد وفاة أبي تمسكت أيضا بالدراسة لكي لا أخذل أمله في.

وكيف كانت مسيرتك الدراسية بالمغرب؟
كانت مسيرة تقليدية، بمعنى أنها ابتدأت بالجامع (المسيد) وانتهت بالجامعة. كانت تجربة الجامع قصيرة أذكر منها جوقة أطفال تردد بأعلى صوتها مقاطع من القرآن وهي تتمايل في حضرة فقيه فض و مستبد. خشية أن يضربني الفقيه كنت أختبئ في الصف الخلفي لعله يتركني في حالي. لكن عصاه الطويلة وجدت يوما طريقها إلي وانهال علي ضربا بحجة أني كنت أتثاءب بفعل الشيطان. هربت يومها من الجامع تاركة ورائي لوحتي المطلية بالصلصال وربما فردة من حذائي الصغير. كان ذلك آخر عهدي بالجامع قبل التحاقي بالمدرسة الحديثة لأغني فيها مع بنات وأبناء جيلي « مدرستي حلوة » و »فريرو جاكو دورمي فو ». وبعد وفاة أبي، بقيت أسرتي جد متماسكة وتكفل الكبار من إخوتي بدراسة الصغار. لذلك أنا مدينة لهم مدى الحياة بتعليمي و بكل ما حققته فيما بعد. على العموم كنت أحب الدراسة و أبديت منذ البداية تفوقا في المواد الأدبية و تخلفا ملحوظا في مادة الرياضيات التي عكرت علي تعليمي إلى حد الباكالوريا. كنت أدرس آنذاك في ثانوية مولاي إسماعيل في مقاطعة بن مسيك. و ما إن اجتزت الباكالوريا بنجاح وأيقنت أن دراستي الجامعية خالية من الرياضيات حتى تحررت وبدأت أستمتع بالدراسة التي كنت أحلم بها. تابعت دراستي الجامعية بكلية الآداب و العلوم الإنسانية بن مسيك بالدار البيضاء. ودون أي تردد اخترت الأدب الفرنسي، الشيء الذي جعلني أدرس بارتياح وأحصل على الرتبة الأولى لثلاث مرات على مدار أربع سنوات، الشيء الذي ضمن لي منحة التعليم العالي وساعدتني على السفر إلى فرنسا.

لماذا وقع اختيارك على الأدب الفرنسي ؟
ميولي للأدب الفرنسي يقترن بمقولة أظن أنها للكاتب المصري أحمد أمين ومفادها أن الذي يتحدث لغة واحدة كمن يرى العالم بعين واحدة. صورة جد مرعبة جعلتني أحرص على إتقان على الأقل لغة ثانية خشية أن أصبح مثل شخصيات السايكلوب ذوي عين واحدة كما صورتهم الأساطير الإغريقية. وكانت اللغة الثانية التي تفرض نفسها آنذاك هي اللغة الفرنسية وما تحمله في طياتها من أدب وفكر وفلسفة.

 لنرجع قليلا إلى أحداث 18 يونيو 1981. أين كنت في ذلك اليوم؟
كان عمري آنذاك 15 عاما. كنا نقطن عمارة في حي سباتة، وكنت أطل من النافذة، لأن والدتي منعتني أنا وأشقائي من مغادرة البيت في ذلك اليوم الذي أعلن فيه عن إضراب عام. كان هنالك طفل يلبس قميصا رياضيا أصفر وسروال الجينز وعمره لا يتجاوز 12 سنة. كان يجري ويلعب طيلة الصباح، و يلاحق الكبار. ثم تحول الاحتجاج العشوائي إلى أعمال تكسير ونهب على أيدي مجموعة من الشباب شرعت في الهجوم على البنك ومحلات تجارية محاذية، إلى أن جاء الجيش وشرع في إطلاق الرصاص على الجميع. اختبأت وابتعدت عن النافذة، وبمجرد أن هدأ صوت الرصاص أطللت برأسي لأرى الطفل مرميا كالعصفور على الأرض. بقي ذلك الطفل ينزف إلى أن غطاه بعض الجيران بالعلم الوطني وحملوه وسط الزغاريد إلى بيت أحدهم ليسلموا جثته الهامدة لوالديه. كان أحد أكثر أيام سنوات الرصاص سوادا يستحيل أن يسقط من الذاكرة.

شارك المقال