تحولت انفعالات الرجل الذي حضر ليؤازر إبنته أمام الشركة المشغلة، إلى هجوم هيستيري عليها، بعد أن اكتشف أنها كانت تخدعه طيلة اشتغالها بالشركة، حيث أظهر حوارها مع القاضي، حقائق الأجر التي طارت برصانة الوالد فثار عليها، أمام مرئ هيئة الحكم.
كان حماس الرجل زائدا، وهو يجلس بقاعة الجلسات بالمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، وعيناه تنظران بإشفاق كبير على ابنته وهي تنتظر دورها في المثول أمام هيئة الحكم رفقة ممثلي الشركة التي تشتغل عندها، وكان بين الفينة والأخرى يتأمل الضماد الذي يغطي جرحا غائرا أصيبت به الإبنة أثناء عملها داخل الشركة.
تقطرت عاطفته، وعادت به ذاكرته إلى سنين حين كانت الطفلة الصغيرة المشاكسة، تبعث الدفئ والحياة في البيت، كيف كانت تلهو وتمرح، وكيف ترعرعت أمام أعين والديها، وكيف صارت شابة في تمام اعتدالها، ندت من شفتيه ابتسامة رضى، قبل أن تتقطب حاجباه أسفا على سوء سعدها، وضيق الحال الذي جعل الفتاة تشتغل بهاته الشركة، بأجر زهيد.
وصل الموعد، ونادى رئيس الجلسة برقم الملف، وسمّى الفتاة والشركة المشغلة، وكذا شركة التأمين، استجمع الرجل كل تركيزه واهتمامه، وركز ناظريه على القاضية، التي يفرض شكلها وطريقة حديثها هيبة خاصة داخل قاعة المحاكمة، لتنطلق فصول محاكمة لم تخطر للرجل على بال.
كانت شركة التأمين تصر على أن اسم الفتاة الثلاثينية غير مدرج في قائمة المؤمنين، وكانت الفتاة مصرة على نيل حقها على اعتبار أنها تشتغل بالشركة، وأن الحادث الذي أصابها كان في وقت العمل، وداخل الشركة، ملقية اللوم على مشغلها الذي لم يشملها بالتغطية الصحية.
بدأت التفاصيل الدقيقة للملف تظهر شيئا فشيئا، ويستعر معها حماس الأب الذي يتابع المحاكمة بانفعال زائد، قبل أن يتحول التعاطف الكبير والمؤازرة لابنته إلى هيجان ضدها في لحظة خرجت عن السيطرة.
حين سألت القاضية الفتاة عن دخلها أجرتها الشهرية التي تتقاضاها من الشركة، وما إن أفصحت أنها تبلغ 5000 درهم، حتى وقف الرجل بتوتر بالغ، واتجه كالسهم نحو ابنته وأمسك بخناقها، وهو يرغي ويزبد، ويتهمها بأنها كذابة.. كانت المفاجأة مذهلة للجميع، وغريبة جدا، لتتحول قاعة المحكمة إلى هرج ومرج، وتفر الفتاة لتختبئ عن والدها الذي لم يستسغ كيف أن ابنته كانت تتقاضى 5000 درهم، وتخبرهم بأنها تتقاضى 1500 درهم، طوال هاته المدة.
وبعد أن تدخل الحضور، وهدؤوا من روع الرجل، انتبه إلى كونه قد ارتكب فضيحة داخل المحكمة، وأنه صار على مشارف الاعتقال، قبل أن يعتذر لرئيسة الجلسة التي تفهمت الوضع، وقبلت اعتذاره، وإلا لوجد نفسه وراء القضبان بتهمة الإخلال باحترام المحكمة، وقضاء على الأقل 48 ساعة في الاعتقال، قبل عرضه على النيابة العامة.