أبو حنيفة النعمان.. الإمام الأعظم

12/06/2016 - 17:00
أبو حنيفة النعمان.. الإمام الأعظم

حلقة اليوم من برنامج « حكايات من زمن فات »، الذي يُعده “اليوم24″، عن أحد أشهر فقهاء الإسلام على مر العصور، والمُلقب بـ « الإمام الأعظم » أبو حنيفة النُعمان.

ولد الإمام أبو حنيفة سنة 699 م في مدينة الكوفة العراقية لأسرة ثرية شريفة أصلها من مدينة كابُل الأفغانية، وحفظ القرآن الكريم في صغره، وكان أول ما تعلمه من العلوم الشرعية علم أصول الدين، واشتهر في شبابه بالدفاع عن الشريعة ومناظرة الملاحدة ومناقشة المعتزلة والخوارج، حتى قيل أنه دخل البصرة أكثر من سبع وعشرين مرة، يناقش تارةً ويجادل ويرد الشبهات تارة أخرى، وهو لم يُكمل العشرين من عمره بعد.

وكان أبو حنيفة ميسور الحال، وورث عن أبوه وجده تجارة القماش، ولم يترك التجارة طوال سنين تحصيل العلم أو تدريسه، وقد اشتهر بأمانته في تجارته.

ويروى أن امرأة عجوز جاءته تطلب ثوبا من حرير، فلما أخرج لها الثوب المطلوب قالت له: إني امرأة عجوز ولا علم لي بالأثمان، فبعني الثوب بالثمن الذي اشتريته واضف اليه قليلا من الربح فإني ضعيفة، فقال لها:  » إني اشتريت ثوبين اثنين في صفقة واحدة، ثم إني بعت أحدهما برأس المال الا أربعة دراهم، فخذيه بها ولا أريد منك ربحا، ويروى أنه بعث ذات مرة بضاعة كثيرة إلى شريكه وكان يُدعى حفص بن عبد الرحمن، وأخبره بأن أحد الأثواب فيه عيبٌ، وقال له « إذا هممت ببيعها فبين للمشتري ما فيها من عيب »، فباع حفص، المتاع كله، ونسي ان يعلم المشتري بما في الثوب من عيوب، فلما عرف بذلك ابو حنيفة، بحث عن الذين اخذوا هذه التجارة التي بها عيبا فلم يجدهم، فأخرج ابو حنيفة ثمن البضاعة كلها زكاة وصدقة.

وعُرف عنه جوده وكرمه، فكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها على غيرهم من المحتاجين، وإذا اكتسى ثوبا جديدا كسى المساكين بقدر ثمنه، وذات يوم رأى أحد جلسائه وعليه ثياب رثة معيبة، فلما انصرف الناس، ولم يبق في المجلس الا هو والرجل قال له « ارفع هذا المصلى وخذ ما تحته »، فرفع الرجل المصلى فاذا تحته ألف درهم، فقال له أبو حنيفة « خذها وأصلح بها من شأنك »، فقال الرجل إني موسر وقد أنعم الله عليّ، ولا حاجة لي بها فقال له أبو حنيفة « إذا كان قد انعم عليك فاين آثار نعمته؟ أما بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « ان الله يحب ان يرى أثر نعمته على عبده »، فينبغي عليك ان تصلح من شأنك »

وككل العلماء، فقد عاش الإمام محن عظيمة، اختبر الله بها صبره وثباته، فكانت محنته الأولى حين خرج زيد بن علي زين العابدين على هشام بن عبد الملك، وكان أبو حنيفة من المؤيدين للإمام زيد، وقال فيه «ضاهى خروجه خروج رسول الله ﷺ يوم بدر»، وأعانه بمبلغ كبير من المال بلغ عشرة آلاف درهم، إلا أن مسعى زيد لم يُكلل بالنجاح، فقُتل هو وابنه يحيى وحفيده عبد الله، فحزن عليهم حُزنً شديداً، إلا أن بعد ذلك أراد « يزيد بن عمر بن هبيرة » والي الكوفة أن يجعله القاضي، فأرسل إليه وأمره أن يجعل خاتم القضاء في يده، ولا ينفذ كتاب إلا من تحت يد أبي حنيفة، فامتنع أبو حنيفة عن ذلك، فحلف الوالي أن يضربه إن لم يقبل، فنصح الناسُ أبا حنيفة أن يقبل ذلك المنصب، فقال أبو حنيفة قولته الأشهر « لو أرادني أن أعدّ له أبواب مسجد واسط لم أدخل في ذلك، فكيف وهو يريد مني أن يُكتب دمُ رجل يُضرب عنقُه وأختم أنا على ذلك الكتاب، فوالله لا أدخل في ذلك أبداً ».

فحبسه الوالي وضربه أياماً متتالية، ورفض كل طلبات العفو عليه من الناس، حتى استطاع الهرب على مكة والتي عكف فيها على الحديث والفقه، وظل مقيماً بمكة حتى صارت الخلافة للعباسيين، فقدم الكوفة في زمن أبي جعفر المنصور.

ثم يرى اضطهاداً لبني علي بن أبي طالب في عهد العباسيين، حتى ثار عليه محمد النفس الزكية بن عبد الله بن الحسن، وأخوه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، فجهر أبو حنيفة بمناصرتهم ودعا بعض قادة قوات المنصور إلى عدم الامتثال لأوامره، فلما علم المنصور أراد أن يختبر طاعته، فطلب أن يجعله قاضياً، فامتنع أبو حنيفة، فأصر المنصور على أن يتولى له عملاً أياً كان، فقبل أبو حنيفة أن يقوم ببعض أعمال البناء، فعمل مع عمال البناء ورفض أن يكون قاضيا.

وكان يُجاهر رضي الله عنه بمُخالفة المنصور في كل الفتاوى التي يُريدها إن كانت تُخالف ما يراه، بعكس بقية الفقهاء في عصره، والذين كانوا يفتون بما يُريده المنصور، كما كان يمتنع عن قبول العطايا من المنصور، وكان ينقد القضاء نقداً مراً إذا وجد فيه ما يخالف الحق في نظره، فدعاه أبو جعفر المنصور ليتولى القضاء، فرفض أبو حنيفة ذلك، فضربه وحبسه المنصور، ثم طلب منه أن يُراجعه القُضاة في أحكامهم قبل أن يصدروها فرفض، فأنزل به العذاب الشديد حتى قيل أنه ضُرب مائة وعشرة أسواط، وهو رجل كبير في السن.

وقيل أنه توفى في محبسه رضي الله عنه، وهو ساجد يدعو الله، فشيعت بغداد كلها جنازته، ولقد قُدِّر عدد من صلوا عليه بخمسين ألفاً، فرضي الله عن الإمام الأعظم.

شارك المقال