أزمة أطروحة التوازن السياسي

20/06/2016 - 16:00
أزمة أطروحة التوازن السياسي

منذ أكثر من أربعين سنة تجاورت أطروحتان مؤطرتان للعملية السياسية: الدمقرطة والتوازن السياسي، الأولى تعني بناء المؤسسات السياسية على قاعدة نتائج الانتخابات، والثانية تعني أن لا تُغيّر العملية الانتخابية موزاين القوى السائدة.
قبل تجربة التناوب كانت القاعدة هي خلق حزب إداري، يجمع حوله الأحزاب القريبة من السلطة، ويشكل الأغلبية الحكومية المنفذة لأجندتها وكانت المعارضة تؤثث الفضاء السياسي، ويتدخل التزوير كلما حققت الحركة الوطنية والديمقراطية تقدما مربكا للتوازن المرسوم.
بعد تجربة التناوب، تغيرت قواعد اللعبة باندماج الإسلاميين، فصار التجاذب ثلاثيا، يجتمع الإسلاميون مع الأحزاب الوطنية والديمقراطية على قاعدة تطوير النموذج الديمقراطي، كما يجتعون مع الأحزاب الإدارية وبعض أحزاب الحركة الوطنية (حزب الاستقلال) على قاعدة المرجعية الإسلامية، ويتنافس الإسلاميون مع أحزاب الحركة الوطنية والديمقراطية على تمثيل الطبقات الوسطى والكادحة.
هذا المتغير الجديد، بالإضافة إلى تحولات المنظومة الدولية التي فرضت الانخراط في المسار الديمقراطي والاندماج في منظومة حقوق الإنسان، استدعى إعادة صياغة علاقة الدمقرطة بالتوازن السياسي، مع أن الصراع حول المشروعية تم حسمه بالإجماع حول الملكية وأدوارها المركزية في النسق السياسي..
في البدء، اتجهت المعادلة إلى توظيف الإسلاميين لإضعاف حكومة التناوب وخلق شروط تحللها، ثم ما لبثت أن تحولت نحو توظيف أحزاب الحركة الوطنية الديمقراطية ضد الإسلاميين لإعادة موازين القوى إلى ما قبل دستور فاتح يوليوز. ولئن نجحت المعادلة مع حكومة التناوب بفعل أخطاء ارتكبتها بسبب استدراجها لأجندة هوياتية قيمية استدعت تحول الإسلاميين من المساندة النقدية إلى المعارضة، غير أن حكومة بنكيران نجحت إلى حد كبير في احتواء المعادلة، فتعاملت مع خروج شباط من الحكومة بحكمة كبيرة، هذا مع أن لغته كانت تدفع نحو احتراب تناحري بين الحزبين، كما سار في علاقته مع حزب التقدم والاشتراكية في اتجاه تأجيل القضايا الخلافية ونهج التوافق لتدبير بعضها، ونجح مرة أخرى في إقناع أحزاب الحركة الوطنية بأطروحته في مواجهة التحكم (حزب الاستقلال)، في حين يخضع الاتحاد الاشتراكي لوضعية خاصة تمنعه عن الإفصاح عن حقيقة موقفه، خوفا من حركات من الداخل تُعمق أزمة شرعية القيادة.
ثمة اليوم أزمة في علاقة الدمقرطة بالتوزان السياسي، يعكسها القلق من أن تكون نتيجة الدمقرطة في ظل الفراغ الناتج عن ضعف المنافس السياسي هي تعميق الاختلال في التوازن السياسي.
ما الحل إذن؟
التقطيع الانتخابي، والقوانين الانتخابية، أو ما يُسمى الهندسة الرياضية للانتخابات؟
هذا حل تم تجريبه، لكن فعاليته أمام تزايد عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية جد محدودة، ونتيجته لن تتعدى إزالة بضعة مقاعد للبيجيدي.
التحشيد واستهداف البيجيدي؟
هذا حل، لكن أسلحته غير ذات فعالية، فقد جُرّب قبيل الانتخابات الجماعية، وأعطى نتائج عكسية.
تحديد سقف مشاركته؟
كان من الممكن التفاعل مع هذا الحل، لكن ليس بمعادلة إضعاف المشروع الإصلاحي وتقوية حزب التحكم؟
الحل الجذري لهذه الأزمة ممكن، ولا يتطلب أكثر من بناء السياسة على قاعدة الطبيعة وليس على قاعدة الصناعة.
في المغرب أحزاب وطنية قوية تتمتع بالعمق الشعبي، وبقدر مهم من استقلالية قرارها السياسي، كما فيه تعددية سياسية حقيقية. ما ينقص هو أن تترك لإعمال ديمقراطية داخلية تُكافئ النخب وتضمن ترقيها التنظيمي وانتخاب قيادات حقيقية. هذه الديناميكية التي ستأخذ في الأقصى بضع سنوات، يمكن أن تنتج توازنا سياسيا طبيعيا، يعكس الديمقراطية المغربية، ولا يكون بديلا عنها.
أن يكون الـتوازن السياسي الطبيعي خاصية الديمقراطية المغربية، خير من أن تكون الديمقراطية المغربية رهينة صناعة توازن غير طبيعي نضطر معه عند كل محطة انتخابية أن نضع أكفنا على قلوبنا خوفا على مصير الاختيار الديمقراطي.

شارك المقال