سلاح الكلمات

28/06/2016 - 22:00
سلاح الكلمات

دخلت عبارة «التحكم» إلى القاموس السياسي المغربي بحقوق الملكية المكفولة للعدالة والتنمية، والذي يقرأ نص البيان الطويل للمجلس الوطني لحزب الاستقلال، الذي صدر نهاية الأسبوع الماضي، يجد أكثر كلمة استعملت في هذا البيان المرجعي هي «التحكم»، وقد أصبحت رديفا لتحركات حزب الأصالة والمعاصرة وأمينه العام إلياس العمري، الذي تعتقد الطبقة السياسية أنه مبعوث أطراف أخرى للحياة الحزبية من أجل التحكم فيها عن بعد، ومن أجل إعادة انتشار السلطوية الناعمة في الانتخابات والبرلمان والمجالس المحلية والجهوية. ولأن الطلب زاد على هذا التحكم مع الدستور الجديد، الذي أعطى سلطا أكبر لممثلي الشعب، فإن نقده ازداد، واهتمام القاموس السياسي به ازداد أيضا.
قبل لفظ التحكم راجت عبارة «الوافد الجديد»، التي ترجع ملكيتها إلى إدريس لشكر أيام كان يتحرك على يسار قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي. كان لشكر يومها شبه عاطل عن العمل السياسي، ويحس بأنه مهمش، فلا هو دخل إلى برلمان 2002، ولا هو نال وزارة في حكومة جطو أو عباس الفاسي، فما كان منه إلا أن حمل لواء محاربة الوافد الجديد (البام) باعتباره حزبا إداريا جاء لإحياء تراث الحزب البائد «الفديك»، ولكي يرمي المزيد من الملح في الجرح. عمد لشكر إلى رفع شعار التحالف مع الإسلاميين من أجل التصدي للوافد الجديد الذي جاء يهدد مكتسبات التعددية الحزبية، ويضرب قواعد الأحزاب السياسية الوطنية. لم تدم صولات القائد الاتحادي الجديد طويلا حتى تم إرضاؤه بحقيبة وزارية شبه فارغة (وزارة العلاقات مع البرلمان) في الربع الأخير من عمر حكومة الفاسي، وبعدها ابتلع المحامي لسانه الطويل، وانتهت قصة «الوافد الجديد».
القاموس السياسي المغربي يذكر كذلك تعبيرا نحته امحمد بوستة -أطال الله عمره- وهو «الانتخابات المخدومة» كتعبير ذكي لوصف تزوير الانتخابات، فهذا المصطلح يفهم منه المغاربة معنى «المخدومة»، لكنه من الناحية القانونية والجنائية لا يمكن متابعة صاحبه بقانون الصحافة والنشر، وهذا كان ديدن المعارضة السابقة، حيث كانت تجتهد لابتداع كلمات وعبارات ومصطلحات تصل إلى الوجدان الشعبي، وتعبر خير تعبير عن الحالة السياسية والاقتصادية والسلطوية في البلاد، مثل الوزير «السوبر مان» التي أطلقها المناضل محمد بنسعيد آيت يدر على وزير داخلية الحسن الثاني إدريس البصري، كناية عن الوزن المتضخم الذي أخذته وزارة الداخلية، ومقاربتها الأمنية للحياة السياسية في المغرب، ولما أضاف الحسن الثاني إلى البصري وزارة الإعلام خرج بوستة مرة أخرى بدربة المراكشي في تقطار الشمع وقال: « ماقدو فيل زادوه فيلة ».
قبل هذا كان مصطلح الحزب الإداري أو الحزب السري أو أحزاب « كوكوت مينوت »، وكلها تعبيرات ذكية ومعبرة استعملها حزب الاتحاد الاشتراكي لوصف أحزاب السلطة التي ولدت في حجر القصر لمنافسة أحزاب الحركة الوطنية، وكان مصطلح حكومة الظل، الذي يعبر عن وجود حكومتين في المغرب، واحدة خفية تمتلك القرار والثانية ظاهرة تتحرك في التلفزيون، وهي التي سماها السوسيولوجي الراحل محمد جسوس « حكومة التلفزيون »… التلفزيون نفسه كان محل تهكم وسخرية، حيث سماه الفنان أحمد السنوسي أداة من أدوات تعذيب المواطنين، واقترح على دار البريهي تلحين الأخبار ومزجها بالموسيقى حتى يتمكن المواطن البئيس من ابتلاعها بأقل مشقة ممكنة.
إنتاج مصطلحات جديدة وكلمات معبرة تنضاف إلى القاموس السياسي ليس مهمة مقتصرة على أحزاب المعارضة، بل كانت السلطة أيضا تستعمل هذا السلاح إما لتوصيف الحالة، مثل: «المغرب مقبل على السكتة القلبية»، التي لخص بها الحسن الثاني أوضاع مملكته في بداية التسعينات، أو تستعمل السلطة بعض العبارات للرد على خصومها، ومنها عبارة إدريس البصري في وصف شهداء التظاهرات والإضرابات الاجتماعية، إذ قال في البرلمان متهكما على من قضوا نحبهم في انتفاضات 1981 «شهداء الكوميرا»، كناية عن أنهم خرجوا من أجل الخبز وليس من أجل قضية أخرى، وكأن الخبز لا يستحق النضال من طرف الشعب وفئاته المهمشة.
اليوم لم تعد الأحزاب التقليدية تنتج شيئا يذكر في القاموس السياسي، انتقلت الريادة في هذا المجال إلى حزب الفايسبوك حيث التفاعل مفتوح وسقف الحرية عالٍ.
اللغة سلاح كبير في السياسة وصياغة الآراء والأحكام والانتقادات في كلمات صغيرة وجمل معبرة وألفاظ ذكية، وأمثلة دارجة تلعب دورا كبيرا في الوصول إلى وجدان الناس، خاصة إذا كانت هذه التعابير حقيقية ونابعة من الواقع. إنها تكثف المعنى في عبارات صغيرة، وتساعد عموم الشعب على استيعاب مفاهيم معقدة وأوضاع مركبة، وفي الآن نفسه تجنب صاحبها الاصطدامات المباشرة بالسلطة، إذ يلعب المجاز هنا دور « البارشوك » الذي يخفف قوة الصدمة التي يحدثها النقد أو الرفض أو التمرد، مثله مثل استعمال النكتة والقصة والمثل الدارج في الخطاب السياسي.
كلما نضجت الحياة السياسية تطور القاموس السياسي أكثر، وكلما اتسعت المشاركة أصبح الرهان على التواصل مع الناس، بعيدا عن لغة الخشب وصناعة الخشب وتسويق الخشب.. كان تروتسكي قبل أن يغتاله رفيقه ستالين يقول: «الكلمة رصاصة»، مات هو وبقيت كلماته حية بعده.. يبدو أن الكلمات أطول عمرا من الإنسان.

شارك المقال