على هامش توجسات تعيين أعضاء المحكمة الدستورية

15/07/2016 - 16:39
على هامش توجسات تعيين أعضاء المحكمة الدستورية

إن البحث في المسائل الدستورية، بما في ذلك الجانب الأهم الذي تمثله إشكالات القضاء الدستوري الذي أصبح يكتسب أهمية خاصة في أعقاب التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية جراء رياح التغيير التي تجتاح مزيداً من البلدان والمجتمعات ومن بينها المغرب خلال السنوات الأخيرة، بسرعة خارقة، كل هذا يستوجب مواكبة التحولات في مجالات العلوم الاجتماعية والسياسية، وكل منجزات الفكر القانوني، وخاصة القانون الدستوري أو القانون السياسي «le droit politique»، لتدارك التحولات والتغيرات، ومواكبة قطار التغيير فائق السرعة، في كثير من دول العالم ذات التوجه الديمقراطي.
ومن هنا جاء إنشاء المحكمة الدستورية في الدستور المغربي الأخير لسنة 2011 لتحل محل المجلس الدستوري، وإعطاؤها من المكانة والقيمة الدستورية ما تستحقه، لتكون محطة رئيسة لمسايرة عملية التطور الديمقراطي، واعتبارها المحرك الرئيس لعملية الإصلاح السياسي والتشريعي، من ذلك تأمين حماية واحترام الدستور وحماية الحقوق والحريات التي أرساها الدستور، وضمان فصل حقيقي بين السلط، وعدم اعتداء سلطة دستورية على سلطة أخرى، وضمان حرية ونزاهة الانتخابات… إلخ. كما أن الفصل 133 من الدستور منح المحكمة الدستورية اختصاصا جديدا لأول مرة في تاريخ القضاء الدستوري بالمغرب، وهو البت في دستورية قانون تم اعتماده أثناء النظر في قضية ما، بناء على طلب أحد الخصوم، عندما يتعلق الأمر بانتهاك حقوق المواطنين وحرياتهم.
واختلفت الدساتير العالمية حول أساليب تشكيل المحاكم أو المجالس الدستورية، فبعضها جعل أعضاء المحكمة الدستورية معينين من قبل السلطات الثلاث معاً، والبعض الآخر جعل عددا من الأعضاء معينا من السلطة التنفيذية، وبعضهم الآخر منتخبا من السلطة التشريعية، وبعض الدساتير أعطت رئيس الدولة صلاحية تعيين أعضاء المحكمة الدستورية، كما تركت بعض الدساتير تحديد طريقة اختيار أعضاء المحكمة الدستورية للقانون. بيد أن المشرع الدستوري المغربي نهج الأسلوب الثاني، وهو تعيين عدد من الأعضاء من قبل السلطة التنفيذية (الملك)، وبعضهم الآخر منتخب من السلطة التشريعية (البرلمان)، كما هو الحال في بعض الدساتير (إيطاليا – إسبانيا).
ونصت الفقرة الأخيرة من الفصل 130 من الدستور المغربي على أن أعضاء المحكمة الدستورية يختارون من الشخصيات المتوفرة على تكوين عال في مجال القانون، وعلى كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية، الذين مارسوا مهنتهم لمدة تفوق خمس عشرة سنة، والمشهود لهم بالتجرد والنزاهة.
ولذلك، فإن مكانة وقيمة المحكمة الدستورية، التي جعلها الدستور محطة رئيسية لمواكبة عملية التطور الديمقراطي والإصلاح السياسي بالمغرب، لن تتحقق على أرض الواقع إلا بحسن اختيار أعضائها، من أصحاب التجربة والإلمام الكبير بالقضايا والقوانين الدستورية في العالم، والحاصلين على الشواهد والمؤهلات العليا، والتكوين القانوني والأكاديمي، وأن تكون لهم إسهامات بحثية ومقالات محكمة في مجال القانون والعدالة الدستورية، والذين لهم القدرة على البحث الرصين والتنقيب في العلوم السياسية والقانونية والاجتهاد القضائي على المستوى العالمي، والقدرة على الإبداع في التفسير القانوني والدستوري، على الخصوص، والذين لهم مكانة علمية مشهودة لهم في المجتمع لا تدعو إلى الشك أو التجريح.
وعلى هذا الأساس، فإن البرلمان المغربي يتوجب عليه أن يتفوق في اختيار الأشخاص المناسبين الذين سيستطيعون الرفع من أداء القضاء الدستوري ببلادنا وإلا تعرض اختياره السيئ، عندما يصوت على أشخاص غير متوفرين على الشروط المنصوص عليها في الدستور، لعدد غير قليل من النقض والاستخفاف جراء إسناد الأمور إلى غير أهلها.
وحينما يحدث الانحراف في مجال اختيار الأعضاء لعدم استيفائهم الشروط، فإن هذا يعود بالأساس إلى الأحزاب السياسية التي فشلت في استقطاب الكفاءات والخبراء لتقلد المناصب ذات الحساسية والشروط الدقيقة. تضاف إلى هذا، ظاهرة الولاءات والزبونية داخل هذه الأحزاب، الأمر الملاحظ، بأسف كبير، بخصوص تسابق بعض السياسيين لتأمين وضمان عضويتهم في المحكمة الدستورية دون اهتمام أو اكتراث بالشروط الموضوعية التي نص عليها الدستور، وهذا عائد بطبيعة الحال إلى الهم الوحيد المسيطر عليهم، والمتجلي في البحث عن المواقع والامتيازات، كما هو الحال بالنسبة إلى جل أسلافهم الذين تسلموا عضوية المجلس الدستوري، حيث إن الكثير من القرارات تحتوي على أخطاء غير مغتفرة، وفي هذا المجال يكفي الرجوع إلى ما كتبه الأستاذ الدكتور مصطفى قلوش في مقال له بعنوان: «شرح المقتضيات الدستورية المتعلقة بالمسطرة التشريعية (دستور 2011)»، الذي ورد فيه ما يلي: «إن جل أعضاء المجلس الدستوري غير مستوفين للشروط المنصوص عليها في الفقرة الأخيرة من الفصل 130 من الدستور».
ولا يفوتنا، في هذا الصدد، أن نشير، على سبيل المثال لا الحصر، إلى تعيين ليونيل جوسبان «Lionel Jospin» عضوا بالمجلس الدستوري الفرنسي بتاريخ 03 دجنبر 2014، الرجل الذي شغل مناصب حكومية رفيعة، منها وزير أول في الحكومة الفرنسية، ورئيس حزب، ووزير للتعليم، ونائب برلماني. فاختيار شخص من هذا المستوى، لعضوية المجلس الدستوري الفرنسي، يؤكد مدى أهمية هذه المؤسسة الدستورية، ومدى جسامة المسؤوليات الملقاة على أعضائها.
والجدير بالإشارة أن قرارات المجلس الدستوري الفرنسي لا يمكن تجريحها أو نقضها لتمام القرار من حيث التقعيد القانوني والتأصيل الفقهي.

شارك المقال