جبروت الحقيقة

18/07/2016 - 11:39
جبروت الحقيقة

يا له من تمرين غريب، ذاك المتمثل في الكتابة عن صديق راحل: إذ تفرض الأعراف أن نلخص في بضع مئات من الكلمات حياة تتكون من بضع عشرات الآلاف من الأيام، وبضع مئات من اللحظات المشتركة.
بدءا، عليّ تحديد الموقع الذي أتحدث منه: تعرفت على ميشيل (روكار) في بداية السبعينيات، حين عبرت عن رغبتي- وأنا مازلت ذلك الطالب الباحث عن أفضل السبل لخدمة أفكار المثالية – في لقاء الزعيم النشيط لحزب صغير من أقصى اليسار، معادٍ للشيوعية والاتحاد السوفياتي، ومؤيدٍ لنظام الإدارة الذاتية (autogestionnaire). فورا نشأت بيننا صداقة متينة. بعد ذلك أخذت ميشيل لتدريس الاقتصاد في عدد من المدارس الكبرى. وفي أبريل 1974، لما طلب مني فرانسوا ميتران الإشراف على فريق حملته للانتخابات الرئاسية، ضممته إلى الطاقم دون أخذ رأي المرشح للرئاسة. وكان ميشيل نِعم المساعد، وقدمنا، بمعية بيير مانديس فرانس، مشروعا اقتصاديا يأخذ مسافة من البرنامج المشترك الذي أعده، قبلنا بوقت قصير ودون أخذ رأينا، الاشتراكيون والشيوعيون.
طيلة ولاية (الرئيس اليميني) فاليري جيسكار ديستانغ، ظللنا صديقين وفيين ومخلصين، حتى لما صار خصما لفرانسوا ميتران الذي اخترت البقاء وفيا له. ومنذئذ لم يعد ميتران يشير إليه أمامي سوى بعبارة « صديقك روكار ».
بعد ذلك، كنت سعيدا بالعمل معه إذ صار وزيرا للتخطيط، ثم وزيرا للفلاحة، وكذلك لما أصبح وزيرا أول، في إطار حالة خاصة من « التعايش »، إلى أن أدى توتر لا يحتمل (بين ميتران وروكار) إلى القطيعة بينهما.
ما يثير المرء في ميشيل هو ذكاؤه الحر، وروحه النقدية ونزاهته، وحسه الجماعي، وحماسه للإقناع، ولطفه وحبه للإنسانية. والحال أن هذه المزايا الرائعة تعتبر نقاط ضعف في السياسة. فهو مدين للفكرة البروتستانتية القائلة إن العار ليس ثراءً، بل فقرا. وهو كذلك مدين لوالده بضرورة التفوق، وهي ضرورة لا تتوقف عن التجدد.
لم ينس قط، كراهيته للاستعمار، ولا احتقاره للمتورطين فيه. وإصراره على الحقيقة أفضى به فورا إلى رفض التحالف مع الشيوعيين، وإلى البحث عن إيديولوجيا أخرى: أولا « الإدارة الذاتية »، ثم « الاشتراكية الديمقراطية ».
كثير من الناس دفعوه للسعي إلى أخذ مكان فرانسوا هولاند، لكنه كان يدرك أن كرهه للشيوعيين، في فرنسا آنذاك، كان يقطع عليه الطريق المؤدي إلى السلطة. فحتى لو لم يكن فرانسوا ميتران، فإنه ما كان أبدا سينتخب رئيسا للجمهورية.
على عكس ما يُقال – بما في ذلك ما قاله هو نفسه في السنوات الأخيرة من حياته- فإن علاقته بفرانسوا ميتران كان يطبعها، من جانبه، الإعجاب والاحترام والرغبة في الإرضاء. والواقع أنه كان، أثناء ممارسة السلطة، وفيا للغاية، وكان يحلم بأن يكون مريده، ولم يكن في عداء سوى مع بعض مساعدي ميتران. لقد كان الرجلان متكاملين ويخدمان القضية ذاتها. ففرانسوا ميتران كان يحب فرنسا والسلطة، أما ميشيل روكار فكان يحب الفرنسيين والعمل.
وعلى خلاف خصمه، فقد أخفق روكار سياسيا ونجح إيديولوجيا، كان وزيرا أول كبيرا، سواء بالإصلاحات التي أقدم عليها أو بالطريقة التي اتبع في تنفيذها، في لحظة كان فيها الرئيس منشغلا بقضايا دولية كبيرة.
إن الرجال من طينته نادرون جدا، وأكثر ندرة بين أولئك الذين يكرسون أنفسهم للسياسة في أيامنا هذه.

ترجمة مبارك مرابط عن « ليكسبريس »

شارك المقال