عمق فِيَّ ما جرى في تركيا في نهاية الأسبوع الماضي، وما تلاه من تداعيات مازالت تتناسل، ذلك الإحساس المزعج بأنني أسير دوما على حبل دقيق مثل خيط من دخان معلق في الفراغ فوقه سماء بعيدة وتحته هوة سحيقة. وأنا أمشي عليه، عليّ الحفاظ على توازني..أنا الذي لم تحابني الطبيعة سوى بالنزر القليل من المهارات البهلوانية.
لم أكن يوما من هواة الخلط بين الممارستين السياسية والعسكرية، لأن مثل هذه الوصفة تفسد الأولى ولا تصلح الثانية، تماما مثل المزج بين السياسة والدين. فالمؤسسة العسكرية تقوم في عقمها على هندسة عمودية صارمة تسمح باتجاه واحد ووحيد للقرار/الأمر، فهو يصدر من مرتبة عالية دائما صوب المراتب الدنيا. ولا تقبل هذه القرارات/ الأوامر أي تهاون في التنفيذ. أما السياسة فتقوم على هندسة مغايرة تماما ولينة إلى حد ما حتى تكون قادرة على تدبير إكراهات الاختلاف.
وهذا الاختلاف هو ما جعل المجتمعات، التي بلغت ما بلغت من تطور، تحدد بشكل واضح مجال تحرك المؤسسة العسكرية، إذ تضعها تحت تصرف « المستوى السياسي » (الذي يكون نابعا من إرادة الأفراد المكونين لتلك المجتمعات). ولعل تحديد هذا المجال ووضوح المهام هو الذي يمنحها تلك الهيبة التي تتمتع بها. والأمر نفسه ينطبق على مؤسسات أخرى مثل الدين مثلا.
وما يغيب، في تقديري، ببلداننا ومجتمعاتنا (عربية كانت أو إسلامية أو إفريقية) هو هذا التحديد الواضح لمجال تحرك كل مؤسسة (سواء كانت عسكرية أو دينية أو سياسية أو غيرها) وطبيعة العلاقات بينها، فيكثر التداخل بين ما هو ديني وعسكري وسياسي في خليط يزيد من تعقيد حياة الكائنات التي تحيا في هذه المجتمعات. ولعل هذا الخلط هو الذي يجعل السلطة والحكم مرتبطين لدينا بالقوة والسيطرة والهيمنة، « وما سمّاه عبد الرحمان الكواكبي « تدبير الشؤون العامة بمقتضى الهوى »، بدل أن يكون « تدبيرا للشؤون العامة بمقتضى العقل ».
نعم. لست، ولن أكون يوما، من مؤيدي أي حكم عسكري مباشر، ولكن، كذلك، لست من أنصار توظيف زيت الدين في ماء السياسة وتدبير شؤون الناس، وإن كنت أعيش في مجتمع مازالت فيه سطوة كبيرة للدين على الحياة العامة. وما أخشاه أكثر أن يؤدي الانقلاب الفاشل والمدان بتركيا إلى تكريس الخلط بين السياسة والأجهزة الأمنية والعسكرية بدل أن يساهم في وضع حدود واضحة لتحرك كل منها، وضبط العلاقات بينها، وللأسف كل الإجراءات التي أعلنها الممسكون في السلطة حاليا في هذا البلد لا تبعث هذه الأيام إلى الارتياح بتاتا، إذ يتحول تعقب المشتبه فيهم بالتورط في المحاولة الانقلابية إلى حملة تطهيرية ضد كل الخصوم السياسيين.
ويحضرني هنا ما كتبه الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران، في كتاب ألفه ضد الجنرال دوغول في أواسط الستينيات بعنوان: « الانقلاب الدائم » (Le coup d’etat permanant)، حيث اتهم دوغول باستغلال مخاوف الفرنسيين من تقلبات واضطرابات الجمهورية الرابعة، وقال إن « الجنرال » بطل التحرير الفرنسي كان يدرك جيدا تلك المخاوف و »كان يضغط على الحبل كلما أراد جمعهم ».
أتمنى ألا يكون الماسكون بزمام السلطة في تركيا ينزلقون إلى هذه الطريق، ويقوضون بالتالي صورة تركيا التي أخذت تتخلص من الديكتاتورية وتشكل كوة ضوء صغيرة في عالمنا الإسلامي الذي ينقصه النور كثيرا.
شريط الأخبار
بنك المغرب يخلد الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش بقطعة نقدية تذكارية
الحركة الشعبية يعزز صفوفه في سلا باستقطاب البرلماني محمد بنعطية والمنتخب صلاح الدين بلحسن
الأمن يعثر على سائح نرويجي تائه بمراكش
الطالبي العلمي يمثل الملك محمد السادس في حفل تنصيب رئيسة جمهورية البيرو
الجديدة… الأمن يوضح ملابسات فيديو اعتداء بالسلاح الأبيض ويؤكد توقيف المتورطين
الوزير لوديي يستقبل كبير مستشاري الدفاع البريطاني للشرق الأوسط وشمال إفريقيا
تعيين زين الدين زيدان مدربا جديدا لمنتخب فرنسا لكرة القدم
الصناعات التحويلية.. انخفاض الرقم الاستدلالي للأثمان عند الإنتاج في يونيو الماضي
حزب الوردة يتهم رئيس جماعة تزنيت بتنظيم حملة انتخابية سابقة لأوانها
جماعة بوجدور توضح بشأن جدل تأخر افتتاح السوق النموذجي للخضر والفواكه