الحقيقة والمجاز في سلطة المواطن

02 أغسطس 2016 - 22:00

«المواطن هو الأهم في العملية الانتخابية وليس الأحزاب والمرشحون، وهو مصدر السلطة التي يفوضها إليهم، وله أيضا سلطة محاسبتهم أو تغييرهم، بناء على ما قدموه خلال مدة انتدابهم»… هذا مقتطف من الخطاب الملكي الأخير، وهو كلام جميل ومعقول، وجزء من التفكير الديمقراطي الذي نطمح إليه… لكن، هل هذا الوصف واقع أم طموح؟ هل هذه السلطة موجودة أم منشودة؟ وهل الشعب يشعر بأن كل أجهزة السلطة، التي تتحرك في الواقع وتقرر في شؤونه ومستقبله ومستقبل أبنائه، نابعة منه، وموضوعة تحت تصرفه، وهو من فوض إليها سلطة القرار أم لا؟ كيف السبيل، إذن، إلى جعل السلطة في يد المواطن، واستردادها من يد آخرين أخذوها بغير تفويض، ويتصرفون فيها بغير حساب ولا عقاب؟ ما هي الطريقة لكي نخرج الشعب من المجاز إلى الحقيقة؟ هذا هو السؤال الكبير والمعقد اليوم في المغرب… دعونا نعرض بعض الأمثلة القريبة التي تظهر أين توجد السلطة (على وزن أين توجد الثروة)…
إذا كانت للشعب المغربي سلطة حقيقية، فكيف لم تتحرك الحكومة ولا القضاء ولا البرلمان لوقف صفقة النفايات الإيطالية التي استفزت مشاعر المغاربة قبل شهر، وأشعرتهم بأن بلادهم أصبحت مطرحا لأزبال الآخرين، والأدهى أن وزارة حكيمة الحيطي لم تراعِ مشاعر المغاربة، ولا حساسية الظرفية التي استوردت فيها 2500 طن من النفايات لإحراقها في أرض المملكة، إذ تزامن هذا «الفعل الأخرق» مع قرب انعقاد مؤتمر عالمي في مراكش (الكوب 22)، حيث تتسابق الدول للإسهام في تخفيض حرارة الأرض، وحماية الكوكب المهدد بالتلوث. تحت ضغط لوبي الاسمنت، فتحت السيدة الوزيرة موانئ المغرب لنفايات إيطاليا خارج القانون (إلى الآن لم يصدر المرسوم الذي يحدد المسموح والممنوع استيراده من النفايات). لو كان للشعب صوت وسلطة وقرار واحترام في هذه البلاد، لصادرت الحكومة 2500 طن من النفايات من مخازن شركة «لافارج»، واعتذرت إلى الرأي العام، ووضعت تشريعات واضحة وقوانين دقيقة لمنع معامل الاسمنت من التلاعب بصحة المواطنين وسمعة البلد.
لو كانت للشعب سلطة حقيقية وقرار فعلي، واعتبار ملموس لدى المسؤولين، لفُتح تحقيق شامل في أراضي «خدام الدولة»، الذين ابتلعوا عشرات الهكتارات من الأرض في طريق زعير بالرباط بثمن أقل من ثمن تجهيز بقعهم (350 درهما)، ومع ذلك وجد وزيرا الداخلية والمالية الجرأة ليوقعا بيان العار الذي يضفي «الشرعية» على الريع، ويجعل الأرض لمن يسيطر عليها (على وزن الأرض لمن يحرثها). لو كانت للشعب سلطة حقيقية لوجد من يستمع إليه، ومن يجبر خاطره، ومن يتعامل مع غضبه بجدية واحترام. حرية التعبير لا تعني حرية الصراخ وكفى.. حرية التعبير تعني أيضا وجوب الاستماع إلى نبض الشعب، واتخاذ قرارات يرضى عنها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمال العام، أو الصحة العامة، أو الريع المنتشر كالفطر في كل زوايا المملكة.
سلطة الشعب لا تنحصر في ذهاب المواطن، مرة كل خمس سنوات، إلى صندوق الاقتراع، ووضع ورقة، والرجوع إلى بيته وعائلته، والجلوس أمام نشرات الأخبار كل مساء بدون حركة ولا فعل ولا رأي. سلطة الشعب سلطة مستمرة طيلة السنة، وليست شيكا على بياض يوقعه المواطن لمن يمثله ولا يعود له صوت بعد ذلك.
ثم من قال إن الشعب هو الذي يضع كل الوزراء في الحكومة، وكل المديرين في المؤسسات العمومية، وكل النواب في البرلمان، وكل صاحب مسؤولية في موقع السلطة؟
انظروا إلى الحكومة الحالية، ربعها تقنوقراطي، والربع الآخر شبه تقنوقراطي، ونصف أحزابها إدارية تراعي الجهة الراعية لها كل صباح، وجل منتخبي برلماننا صعدوا إلى المجلس إما بالمال، وإما بمساعدة السلطة، أو بعدد قليل من الأصوات… اليوم النظام الانتخابي كله مبني على الانتقاص من سلطة الشعب، ويضع نمط اقتراع «كله تاحرميات» حتى لا ينطق الصندوق بما يريده الشعب، والنظام الحزبي مبني كله على الالتفاف على إرادة الشعب، ويزرع أحزاب البلاستيك في الحقل السياسي لخلط الأوراق والتلاعب بتمثيلية الناس، والإعلام العمومي وشبه العمومي كله لغة خشب لا يراعي سلطة الشعب وما يريده وما لا يريده.. يختار الدعاية على الإخبار، أما الإدارة، فإنها موضوعة تحت تصرف السلطة وليس الشعب، وتعمل، ليل نهار، لتعقيد حياة الناس بكلفة عالية وامتيازات خيالية… نعم، هناك هوامش صغيرة لسلطة الناس بدأت تظهر مع الربيع المغربي، ومع اتساع الاحتجاجات في الفضاء الافتراضي والحقيقي، لكن كل هذا مازال في الهامش يضغط وليس في المركز ليقرر.
نحن أمة تجر خلفها مواريث ثقيلة من تاريخ وثقافة كان الشعب فيهما رعية، والناس منقسمين إلى عامة لا رأي لهم، وخاصة عندها الشورى غير ملزمة، وإذا استشيرت تقول رأيها على استحياء، وتنهي بالعبارة الأثيرة لدى الحكام: «والرأي ما يراه مولانا»، أما الحاكم فهو ظل الله في الأرض، «والذين يبايعونه إنما يبايعون الله»، بتأويل فقهاء السلطان. لسنا بعيدين كثيرا عن ذلك الوعيد الذي أطلقه الملك الراحل الحسن الثاني حين سأله والده محمد الخامس عن مذهبه في الحكم إن عارضه الشعب، فقال: «أنا أستطيع أن أتخلص من ثلثي الشعب وأحكم على الثلث الباقي».
إذن، مازال أمامنا مسار طويل لنصل إلى وضع السلطة في يد الشعب، وإعطائه الحرية الكاملة في أن يعهد بها إلى من يريد، ويسحبها وقتما شاء وكيفما أراد… لكن، سنظل نحلم بأن تصير سلطة الشعب حقيقة وليست مجازا.. واقعا وليست أملا.

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

رابح منذ 4 سنوات

مقارنة بين نغمة الخطاب الملكي في اجواء 20 فبراير واليوم , وبين سلوك حصاد انذاك واليوم , يبرز ان المخزن تجاوز العاصفة ويسترد قبضته وصولته . لكن المعارك التي تنتظره السنة المقبلة في الساحة الافريقية والدولية دفاعا عن القضية الوطنية الاولى , ستجعل اقطاب الدولة و"خدامها" يعودون للشعب للخروج من المحن الى المنح

abdellah ait منذ 4 سنوات

BRAvO khouya.mais m3amen tehdar

Citoyenx منذ 4 سنوات

C'est par le rêve que toute grande réalisation commence. On ne doit pas baisser les bras, la conscience collective commence a bien s'installer, les textes juridiques ne manquent surtout pas, la mobilisation politique est en cours d'organisation, alors gardons espoir et continuons à forger ce chemin vers la vraie démocratie. Courage et courage et courage.

Smail منذ 4 سنوات

تحية خالصة لصحافي مخلص !

الثلث منذ 4 سنوات

أخر نكتة: تقول الهندية "كرموس النصارى": " إنني لا أشارك في أي انتخاب ، ولا أنتمي لأي حزب. فأنا مِلكٌ لجميع المغاربة مرشحين، وناخبين، وكذلك الذين لا يصوتون . كما أنني مِلكٌ لكل الهيآت السياسية دون تمييز أو استثناء . فالحزب الوحيد الذي أعتز بالانتماء إليه هو المغرب. ومن تم ، فعلى جميع الفاعلين مرشحين وأحزابا تفادي استخدامي في أي صراعات انتخابية أو حزبية ." إن كل تشابه في الشخصيات والعبارات والمواقف، من محض الصدفة ولا علاقة له بالواقع!

khad ibrahimi منذ 4 سنوات

يا أخي توفيق نعرف هدا كاه لكن أين الحل

الحسين سوهيل منذ 4 سنوات

مستحيل أن يغير الشعب رأيه في العدالة و التنمية في مدة عام واحد . اذا فاز البام لا قدر الله فسيدخل المغرب في دوامة لا استقرار. .. .. .. مجرد رأي

محمد رفيق..... منذ 4 سنوات

الحقيقة اقول لك... تبارك الله عليك....هناك افتتاحيات لك تبارك الله تستحق ان تنقش في نصب او رخام وتقام في مدننا وقرانا ودروبنا ليقراها الشعب والحكام ويعيدون قراءتها مرارا لان فيها من العمق ومن الفهم ومن الاسلوب مايستحق ان يخلد في كتب السياسة وتدبير شؤون الشعب....اتمنى مخلصا ان تجمع جلها في مؤلف وان تلغي منها فقط تلك التي تطبل للنذالة والتعمية وحدها.....لاني لاادري في حالة تكون وانت تكتبها.... اما هذه فأجدد لك التقدير والدعاء واطلب الله ان يكثر من اقلام مثلك....لاني في هذه احس فيك بتمغربيت حقيقية لاشك فيها... وتمغربيت للاسف قليلة في الناس وفي الاعلام بالاخص الذي جله باع لسانه و حنكه لغيره.. وللاسف باع لمن لايستحق....

hassan france منذ 4 سنوات

monsieur bou3achrine va doucement je ne sais pas jusque ou tu peux aller dans tes analyses mais tout ce que tu pense ne dois pas etre ecris car c'est une preuve tangible, garde ton sang froid on souhaite te lire encore et encore tous ce que tu écris on le sais seulement on n'a ni le bagage ni le courage de le dire et l'écrire encore une fois laisse nous lire tes articles dans la lumière du jour et ne nous punis pas par des mauvaise nouvelles e concernant merci pour tout tes articles

احمدناه منذ 4 سنوات

وهناك سؤال آخر هل الملك محمد السادس هو من يحكم فعلا .هناك فرق بين ماينادي به الملك ومايقوم به خدام الدولة؟

jawad منذ 4 سنوات

الملك قال في خطابه بان الشعب له" سلطة محاسبتهم أو تغييرهم، بناء على ما قدموه خلال مدة انتدابهم» يعني الملك تحدث عن المحاسبة والتغيير ولم يتحدث عن اعادة وضع الثقة فيهم مرة اخرى . وقال كذلك هذه فرصة لاعادة الامور الى نصابها , هذه الجملة لم أفهم قصدها جيدا.

ahmed media منذ 4 سنوات

مقال أقل ما يقال في صاحبه : الله إعطيك العز

عبد الكامل منذ 4 سنوات

لا يسع المرء الا أن يرفع القبعة لكم على تحليلكم هذا ... بهكذا صحافيين جاز للشعب أن يحلم يوما ما أن يكون هو السلطة. بار الله فيك سيدي وكثر الله من امثالك

متتبع منذ 4 سنوات

هذا المقال يعكس أن الصحافة الجادة في المغرب رغم قلتها قد تكون بحق سلطة رابعة

حمادي منذ 4 سنوات

يا السي بوعشرين تكلم لينا على هاد الجواهري الذي ترك مهنته الصلية في ملراقبة البنوك وبدأ حتى هو كيتكلم في السياسة والتعليم والقضاء...عجبي

علي اوعمو منذ 4 سنوات

يا أخي ليس الحكومة يد في أي شيء .. فهي تنفذ أوامر تاتيها من جهات خارج " الحكم الظاهر " ، إن صح التعبير ، هذه الجهات التي يسميها البعض " حكومة الظل " و البعض الآخر " الدولة العميقة " هي من تصدر الأوامر بالتنفيذ من أية حكومة تصل إلى مقاليد " تدبير الشأن " شأن البلد . و أفضل مثال على ذلك حكومة عبد الرحمن اليوسفي ، " حكومة التناوب " .

علي اوعمو منذ 4 سنوات

يا أخي ليس الحكومة يد في أي شيء .. فهي تنفذ أوامر تاتيها من جهات خارج " الحكم الظاهر " ، إن صح التعبير ، هذه الجهات التي يسميها البعض " حكومة الظل " و البعض الآخر " الدولة العميقة " هي من تصدر الأوامر بالتنفيذ من أية حكومة تصل إلى مقاليد " تدبير الشأن " شأن البلد . و أفضل مثال على ذلك حكومة عبد الرحمن اليوسفي ، " حكومة التناوب " .

التالي