حياتهم التي لا تهمني..

24 أغسطس 2016 - 17:25

هناك أناس يصنعون فخر البشرية، ينتجون المعرفة والعلم والتحليل الرصين ويشقون باب البدائل والإبداع شقا، يدافعون عن الحقوق والحريات، يدونون قصص المعذبين في الأرض، يخزون ضمير الإنسانية بالرسم والكلمات، بالصوت والصورة، بالموقف والمبدأ، يجوبون الشوارع، في قلة أو كثرة، تضامنا مع أصحاب المطالب والقضايا العادلة، حاملين لافتات بيضاء عريضة، مرددين شعارات قوية. طوال رحلة العمر، يبذلون كثيرا من الجهد للثبات على المبدأ والبقاء في صف الحرية والعدالة والكرامة والمساواة بين الناس، قلوبهم مع غزة والعراق وباريس وأنقرة، ومع ضحايا الفيضانات والإهمال والنسيان والاستبداد و»الحكرة».
 لكن «للأسف الشديد» ما هم بملائكة، ولا أنبياء ولا صلحاء ولا شرفاء، بل يتقاسمون مع الأغلبية الصامتة، المكتفية بذاتها لذاتها، كامل أعراض الضعف البشري والنقص الإنساني، وهذا القاسم المشترك، لأسف أشد، هو الذي يجري توظيفه ضدهم بلا كلل ولا ملل عندما يفشل من يراهن عليه في إيجاد ثغرة أو موطن ضعف داخل مبادئهم النضالية، ووسط مجالات امتيازهم، وفي ما يقدمونه للمجتمع من خدمة فكرية ونقدية جليلة، فيلجأ إلى إلحاق الضرر النفسي بتلك الكائنات المزعجة، عبر البحث في مناطق العتمة المصاحبة لكل إنسان وجرها لدائرة الضوء دون سبب أو نفع: هذا عيبه مقارعة الكؤوس في الحانات، والآخر التقلب بين وسائد النساء، وذاك دعوى قضائية مرفوعة ضده حول ميراث أو أرض أو عقار، وتلك علاقة حب غريبة وغير بريئة…
هل فعلا يهم أن تعرف إن كان الناشط الذي خرج بالأمس إلى جنبك يساندك في الدفاع عن الديمقراطية والحقوق والحريات يشرب حد الثمالة أم لا؟ أن تكون ضد السلوكات المنافية للأخلاق والقيم الدينية، لا يجب أن تنسيك أنك بدورك تخرقها بشكل سافر مرات عدة في حياتك، وللسبب ذاته الذي يجعل ذلك المناضل أو الكاتب أو رسّام الكاريكاتير أو الصحافي أو الناشط يخرقها، وهو الميل إلى الخطأ، الطبيعة الإنسانية المزدوجة التي تتعايش داخلها المعاني السامية مع الشهوات الذميمة، مع ما تنتجانه من نقص دائم في الإنسان، لذا لا يعقل أن تكون صامتا منعزلا –سياسيا وفكريا ومدنيا وحضاريا حتى- غير حامل لأي مطلب أو فكرة أو رسالة أو أي شيء، ترتكب آثامك الصغيرة بكل ثقة واطمئنان، وفجأة، عندما يصلك خبر ضبط المناضل الفلاني أو الناشط الفلاني في هذا الوضع أو ذاك، تتحول إلى قديس صغير ويصير لسانك رطبا في ترديد خبر له خلفيات تتعدى الأفهام البسيطة..
وأنا أدعو عبر هذا المقال، كافة الأطياف الفاعلة في الحركية المدنية والسياسية المغربية، إلى الخروج باتفاق صريح وواضح على أن أي توظيف هذا القاسم المشترك (القابلية/ الميل للخطأ ضمن دائرة الحياة الخاصة) ضد شخص معين أمر لا يمكن أن يعتد به ولا أن ينال من المكانة الاعتبارية للشخص لتلازم النقص مع الإنسان، كما لا يمكن لمثل هذه القضايا أن تكون محل تشف وتجريح وتصفية حسابات، وأن ترصد الحياة الخاصة للفئات المنخرطة في الفعل السياسي والمدني بشتى تجلياته يجب أن يُعتبر أمرا يخالف المطالب الداعية إلى سمو الالتزام الأخلاقي-الذاتي على الإلزام القانوني (مثل مطلب إلغاء الفصل 222 الذي يجرم الإفطار في رمضان)، على أن الحالات التي تستوجب المحاسبة والمساءلة تبقى تلك التي تتداخل فيها الحياة الخاصة بحقل اشتغال الفاعل السياسي أو المدني مباشرة (مثل استغلال اسم جمعية لتلقي أموال أو مساعدات عينية ثم توزيعها على الأقارب أو الاتجار فيها عوض توزيعها على مستحقيها، وقضاء عطلة خاصة من ميزانية الدولة، وقضاء مآرب شخصية بتوظيف الصفة الرسمية، وغيرها…).

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي