نقولا زيادة.. المؤرخ والإنسان

25 أغسطس 2016 - 13:04

تَردَّدتُ بين الكتابة عن عدة مواضيع لفتت انتباهي هذا الأسبوع، فاخترتُ استحضارَ روح عالم عربي جليل، عشِق الفكرَ والمعرفةَ والتنقيبَ والبحثَ، وعاش حياتَه طولاً وعرضاً داخل مِحرابها..إنه المؤرخ والإنسان ” نقولا زيادة”، ابن فلسطين والناصرة تحديداً.
يَعرفُ عمومُ أبناء جيلي، وما قبله، وربما ما بعده بقليل، شيخَ المؤرخين ” نقولا زيادة” ) 1907 ـ 2006(، الذي عمَّرَ قرنا إلا خمسة أشهر، قضى أكثر من ثلثي أعوامه في الدراسة والبحث والتحصيل والتدريس، متنقلا بين الحواضر العربية من محيطها إلى خليجها، وبعض العواصم الغربية، تاركا ثروة فكرية ضخمة من 23 مؤلفاً، هي مجموع أعماله الكاملة، التي فعلت حسنا ” الأهلية للنشر والتوزيع””، حين جمّعتها وقامت بنشرها، تكريما له بعد وفاته .
تشرفت بمعرفة ” نقولا زيادة” عبر كتاباته أولا حين قرأت بعضها، وكنت محظوظاً حين تعرفت عليه مباشرة في مايو 2005، أي قبل وفاته بسنة وثلاثة أشهر، عندما زرته في شقته وسط بيروت رفقة صديق مشترك.. كان الرجل ، قياساً لعمره، في وضع جد مقبول، استقبلنا ببشاشته المعهودة، واستفاض معنا في الحديث عن مواضيع فكرية كثيرة، وحدثني شخصياً عن رحلاته الكثيرة لبلاد المغرب، لاسيما المغرب وتونس وليبيا، وحتى لحظة التقائنا به، وهو على مشارف القرن، كان يقرأ ويكتب بانتظام، وأتذكر ونحن معه تلقى مكالمة من جريدة ” الحياة” بخصوص مقالة له كانت في طريقها إلى النشر.. وفوق هذا وذاك اكتشفت ” نقولا زيادة” وتجربته الشامخة ، حين استمتعت بقراءة مقاطع كثيرة من سيرته الذاتية ” أيامي” ، الصادرة في جزءين من القطع الكبير.
لم يترك ” نقولا زيادة” مجالا ، خاصاً بالعالم العربي والعربي الإسلامي، إلا وكتب عنه بأسلوب شيق قريب إلى الناس، ولم يزر حاضرة أو عاصمة أو مدينة عربية إلا وأرخ لها، بالدقة التي تجعل القارئ يظن أنه صاحب البلد الأصلي.. لكن وبالرغم من موسوعيته اللافتة، بصمت أربعة أمكنة عقل ” نقولا زيادة” وأثرت في وجدانه، إنها تباعاً : الشام ) دمشق(، حيث رأى النور صبيا، وفلسطين ) الناصرة( ، حيث نما و ترعرع شاباً، وبيروت حيث أكمل دراسته العليا ودرّس في جامعاتها، وأخيرا أوروبا ) لندن، وإلى حد ما برلين وباريس( ، حيث تفتق وعيُه على غرب مختلف جوهريا عن شرقه أو مشرقه. أما ولاءاته، فظلت منشدة إلى ” فلسطين” ، التي عايش مسلسل الاغتصاب يقضم أراضيها، ويحولها إلى ما آلت إليه. فقد عاش وعايش أكبر المحطات في تاريخ فلسطين وأخطرها على الإطلاق: اتفاقية “سياكس ـ بيكو” ) 1916( ، ووعد بلفور)1917 ( ، والثورة العربية الكبرى) 116 ـ 1918( ، مرورا بقرار التقسيم) 1947( ، ونكبة فلسطين)1948(، والهزائم اللاحقة. كما ظل مدافعا عن رؤيته القومية والنهضوية، من موقع الباحث والمفكر المستقل، غير المنتسب لاصطفاف معين، بما فيها الاصطفافات التي قسمت الجسم السياسي والنضالي الفلسطيني.
في سِفر ما تركه الراحل ” نقولا زيادة” الكثير والكثير، ومن ضمن هذا الكثير منهجيته في الكتابة عموماً ، والكتابة التاريخية على وجه الخصوص. فهكذا، لم يعتمد مؤرخنا، خلافا للكثير من أقرانه من المؤرخين، فكرة التمييز بين الحقب التاريخية، بل نظر إلى التاريخ كوحدة متصلة في الزمان، ولذلك نراه كتب عن التاريخ الوسيط وانتقل إلى نظيره الحديث والمعاصر.. ولم يجعل من ” التاريخ” ، كعلم، مُحدِّداً وحيدا في التحليل والتفسير بل اعتمد تكامل العلوم وتداخلها في تفسير الظواهر، ثم إن التاريخ عنده، ليس هو الوثيقة المكتوبة ، كما دافع عن ذلك الكثير من المؤرخين، بل هو ، علاوة على النص المكتوب، الرواية الشفهية، والحكايات، والأساطير، وكل ما يصلح تطويعُه ليكون مادة علمية قادرة على التفسير والتأويل. ولعل أهم ميزة في منهجيته في كتابة التاريخ أسلوبه العربي الواضح، السليم، والسلِس، وهو كما يستنتج قارئ متونه من نوع ما يسميه علماء العَروض ” السهل الممتنع”.
رحِم الله ” نقولا زيادة” في ذكرى وفاته العاشرة، هذا العالم الجليل، الذي لم يُفكر يوما أن يكون دينُه حائلاً بينه وبين الدفاع بالقلم وبالمرافعة العلمية والفكرية عن هُويته العربية الإسلامية، وحق مجتمعاتها في العيش بكرامة ضمن أمم وشعوب المعمور.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي