البيجيدي.. بين رهانات الإصلاح ومعيقات النجاح

30 أغسطس 2016 - 11:39

حزب العدالة والتنمية المغربي حزب سياسي غير ديني بمرجعية إسلامية يروم التأطير السياسي للمواطنين بالأساس، ويستهدف تسيير الشأن العام عن طريق ترسيخ الممارسات المؤسساتية، كما يرحب بالتحالفات المعقولة في إطار ما تفرزه الممارسة الديمقراطية من قوى سياسية يتوجب التعاون معها لفائدة الصالح العام، وذلك في إطار القانون والدستور دون التخلي عن مبادئه بخصوص الممارسة السياسية الرشيدة والأخلاقية.
ذلك هو حزب العدالة والتنمية إذن، يحاول ما أمكن بناء وترسيخ واحترام مؤسساته الداخلية وتقوية ممارساته الديمقراطية داخل هياكله، يعمل على تكوين سياسيين نزهاء يتعاملون مع المواطنين في إطار الشفافية والمصداقية ومراعاة الصالح العام للوطن والمواطن، كما يعمل على ترسيخ ممارسة سياسية وتقاليد ديمقراطية بعملية انتخابية تعتمد على النفس البرنامجي بالأساس ونظافة يد وتكوين محترم للمترشح، بعيدة كل البعد عن تبني أو انتهاج ممارسات لا أخلاقية لاستمالة الفئة الناخبة عن طريق شراء الأصوات ومقايضة الكتلة الناخبة بأكياس الطحين وقوالب السكر والأوراق النقدية.
أما مصداقية الحزب في هذا المضمار فيشهد بها الخصم قبل الموالي، حتى عُرف عند العام والخاص بما مفاده: «صحاب اللحي ماكيفرقوش الفلوس»، مع تسجيل أن هذا الحزب مفتوح للملتحين وغيرهم والكثير من قياداته من غير الملتحين، فلو اكتفينا بمجرد هذه الشهادة الشعبية لفائدة الحزب لكفاه ذلك ليكون أفضل حزب مغربي متربعا على صدارة الأحزاب النزيهة والصادقة مع الشعب، وما يعطي مصداقية أكبر لهذه الميزة الهامة هو ترفع حتى مسؤولي الحزب الحكوميين عن إطلاق اليد في المال العام وعدم ثبوت أي خرق عليهم بهذا الشأن.
فإن لم يكن من فضيلة للحزب في تسييره للشأن العام إلا هذه لكفته مساهمة في الرقي بالممارسة السياسية والتسيير الحكومي، فحتى أعرق الأحزاب التي تولت الشأن الحكومي، والتي لا تخلو في الحقيقة من مناضلين شرفاء، لم يتورع كثير من قيادييها ممن استغلوا تدبيرهم للشأن الوطني للعتو فسادا في المال العام، فإذا رأينا هذا الأمر فقط من زاوية النمو والتقدم الديمقراطي للمغرب ككل، فإن حزب العدالة والتنمية قد قدم خدمة جليلة لهذا الوطن وتحسب له.
أما الأوراش الأخرى التي يتهم فيها الحزب أو أمينه العام رئيس الحكومة بالضغط على الطبقات الأضعف اجتماعيا، فتلك نية مُبيَّتة لتشويه تجربة الحزب من لدن خصومه الذين يعرفون حقيقة الأزمة المغربية التي توارثناها، كما أن ذلك القصور يُنظر من لدن الكثير من المواطنين وهم معذورون فيه على كل حال، نظرا لضعف القدرة الشرائية للغالبية وقصور تكوينهم السياسي والاقتصادي في الحد الأدنى، أما حقيقة الأمر، فإن ما أقدمت عليه الحكومة الائتلافية، وليس عبد الإله بنكيران فقط وحزب العدالة والتنمية بالتالي، فهو عمل هيكلي بالأساس ولابد منه في هذه المرحلة، وإلا فإن العواقب ستكون كارثية لا سمح الله على المغرب بأكمله، ربما الطريقة يمكن أن تكون قابلة للنقاش، لكن القرار السياسي كان شجاعا ويشرف الحزب الذي يرأس الحكومة.
وهنا يجدر بنا التطرق إلى بعض النقاط التي يحتج بها الكثيرون، من قبيل: لماذا الطبقة المتوسطة، ولما لا الأثرياء؟ وهذا سؤال محوري مشروع.
وهنا نقول: أولا، إن من يضمن التوازنات السوسيو-اقتصادية في أي مجتمع ونظام هي الطبقة المتوسطة إنتاجا واستهلاكا، أما مسألة التعامل مع باقي الفئات، فليس هناك سوى فئتين رئيستين عموما، فئة الفقراء المُعدمين، والحكومة قد اتخذت لصالحهم إجراءات غير مسبوقة قدر ما يسمح به الظرف الاقتصادي والسياسي، ومن ذلك توسيع المستفيدين من التغطية الصحية من الفئات الهشة والفقيرة، وصندوق لدعم الأرامل، والرفع من قيمة المعاش، والتعويض عن فقدان الشغل، ورفع قيمة المنحة وعدد الطلبة المستفيدين منها، مع تسجيل أن مسألة تنفيذ هذه الإجراءات والقرارات الحكومية المتميزة، دونها نظام إداري إجرائي معقد يعرف الجميع مدى تداخله وحجم المشاكل التي تعتريه.
أما فئة الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال، فإن المسؤول عن إجبارهم على رد بعض الجميل لهذا الوطن وأبنائه الذين اغتنوا على ظهره ليس الحكومة فحسب، وإن كانت المسؤول الأول، إذ إن كثيرا من هؤلاء قد يكونون فوق القانون، بل المسؤولية يتقاسمها الجميع بما في ذلك جميع مكونات المجتمع الذي يجب أن يحرص على حِراسة شؤونه والمساهمة في تدبير أموره، عن طريق إنضاج مختلف أشكال الاحتجاج السلمي والتعبير عن الإرادة الشعبية بخصوص عدة قضايا، وقد رأينا موقف الحكومة من عدة قضايا تهم الإعلام مثلا، باعتباره إحدى قلاع المتمكنين والمستحوذين في هذا البلد، ورأينا كيف أن الوزارة المعنية والحكومة حاولت تحرير هذا القطاع، لكن أشخاصا نافذين لا يبدو أن أحدا يخيفهم إلا الموقف الشعبي الوطني الموحد والذي لازال غائبا، وقس على ذلك ضرورة ووجوب استخدام القوة الشعبية التلقائية إزاء أي قضية قد تستعصي على الحكومة نفسها والجميع يدرك أسباب ذلك، لكن واقع الحال أن الشعب والمجتمع لازال ضعيفا، فكل وشُغله بين من يسعى لتحصيل لقمة العيش، ومن يعزف عن الشأن العام وكأنه ليس شأنه، والمجتمع يأخذ موقف المتفرج من عدة قضايا، وكأن الحكومة تملك عصى موسى أو خاتم سليمان.
التحديات كبيرة وهامة، والمشاكل الهيكلية معقدة وجمة، والشأن شأننا جميعا، وما لم تتوحد كل الإرادات وتتظافر كافة الجهود فإن الفساد سيبقى يزدهر ويسود.
ولعله من أبرز عوائق نجاح حزب العدالة والتنمية، هو استمرار سيادة عقلية انتخابية متوارثة تطبعها العديد من الممارسات التي تعتبر الكثير منها موغلة في التخلف، ليس أقلها ببساطة شراء الأصوات باستخدام الكثير من الحيل في استغلال فاضح لسذاجة وحاجة الكثير من فئات المجتمع.
وهذا برأيي من أكبر العوائق، فدون تذليلها الجهود الكبيرة والمعارك المريرة والسنوات الكثيرة، لتنقية العقلية الاجتماعية من تلك الممارسات المنحطة وتقوية مناعة ودفاعات الكتلة الناخبة في المجتمع مهما كان ضعف مستواها الاقتصادي، ضد أباطرة الانتخابات وسماسرة شراء الأصوات والإرادات، فكل ذلك في أفق ترك الساحة واضحة المعالم لا تنافس فيها إلا للبرامج الهادفة الصادقة والأشخاص النزهاء والمواطنين الشرفاء.
تلك نظرة فيها شيء من المثالية، لكنها لا تخلو من واقعية، ولا مناص من تحقيق نسبة كبيرة منها إن نحن أردنا تحقيق عبور ديمقراطي راشد وآمن.أن مسألة

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي