لا تقلدوا "كوربين"

01 سبتمبر 2016 - 11:38

بقلم: عصام واعيس
الأسبوع الماضي، وجد زعيم حزب العمال البريطاني جيريمي كوربين نفسه أمام ورطة حقيقية، سببها صورة التقطت له وهو يجلس على الأرض داخل أحد قطارات المملكة المتحدة. أراد كوربين من خلال الصورة انتقاد اكتظاظ القطار وخدمة النقل المتردية، وهي خدمة تتكلف بها شركة خاصة. وكوربين سياسي “سكة قديمة”، لازال وفيا لروح مبادئ بيان اشتراكي أصدره حزبه سنة 1983 نص على تأميم جزء من خدمات البلاد من بين نقاط أخرى. وما كان من الشركة الخاصة إلا أن ردت على اتهام الزعيم اليساري لها بتقديم خدمة سيئة بنشر فيديو يظهر مقاعد شاغرة في القطار الذي استقله كوربين، لكن هذا الأخير فضل تجاوزها والذهاب هو وفريقه التواصلي إلى آخر العربة، ثم الجلوس على الأرض لتلتقط له تلك الصورة. وهنا اشتعلت القضية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحولت إلى تبادل اتهامات بين من يتهم كوربين بالكذب من أجل تسويق صورته وبين من يرى أن القضية الأهم هي الأموال الطائلة التي تجنيها الشركات الخاصة من جيوب دافعي الضرائب، والحاجة إلى إعادة النظر في مطلب التأميم..
وقد أشفقت صراحة لحال هذا الزعيم السياسي الذي يحاول، على بعد أقل من شهر من موعد إجراء انتخابات قيادة الحزب، تعزيز حظوظه وترسيخ صورته زعيما يساريا مبدئيا مدافعا عن الطبقات العمالية التي لا تجد دائما مقاعد شاغرة في القطارات، والتي تعاني من انخفاض فرص الشغل وتدني الأجور. أشفقت على هذا السياسي المسكين الذي حاول نقل جزء من معاناة المواطن مع القطارات بالجلوس على الأرض وقراءة الصحيفة، لكن الحظ لم يسعفه، لأنه في دولة حديثة تفحم أفكاره الاشتراكية الأثيرة بالخدمات عالية الجودة والبنية التحتية القوية والابتكار وجمال العمران، وتجعل انتقاد خدمات البلاد أمرا مكلفا وشاقا، والتضامن مع العباد مخاطرة، لأنه يحتاج إلى مشاهد تمثيلية، أو الانتظار طويلا للظفر بالمشهد المطلوب..
وعلى ما في ذلك من عناء، يواصل كوربين التنقل في البلاد طولا وعرضا، منقبا عن مكامن الخلل و”ضحايا” السياسات الحكومية، ناشرا الأفكار التي تشبع بها في صفوف الحزب، مطلقا عرائض وبيانات ودعوات ومبادرات ملموسة لنيل ثقة المواطن البريطاني فيه من أجل الاستمرار على رأس الحزب، لأن قوانين حزب العمال تسمح لمن أعجب بمشروع الزعيم اليساري، وإن لم يكن مناضلا ولا عضوا في الحزب، بالتصويت عليه، وكل ما يحتاج إليه هو التسجيل بموقع الحزب على الإنترنت قبل شهرين من موعد الانتخابات وأداء نحو 300 درهم ثمن التسجيل الرقمي، وها هو صار مؤثرا في قرار حزب بحجم وعراقة حزب العمال البريطاني (تأسس في فبراير 1900)..
لو أراد سياسي مغربي العمل بأسلوب كوربين في حملته الانتخابية، فلن يجد مشكلة في إيجاد الأعطاب والخدمات السيئة والمرافق البئيسة ومواطن الخلل، ولن يعاني أبدا من مشكل مع الرأي العام، فحتى لو كانت مثلا قطارات المكتب الوطني شاغرة فعلا في اليوم الذي ركبها فيه سياسيُّنا وكان هو من تكلّف الجلوس على الأرض، ونشر المكتب صورا وشريط فيديو يثبت العكس، الكل سيساند السياسي وسيقول “غير فوتوشوب”، أقلها نكاية في المكتب وخدماته،..
المشكل الحقيقي الذي سيجده سيكون مع تصور سياسي سيتهمه بالمزايدة السياسية والإساءة للبلاد من أجل أهداف انتخابوية رخيصة. لذا، وحتى لا يقع في المزايدة ولا يسيء للبلاد وصورتها وإشعاعها في الداخل والخارج، سيكتفي بخوض حروب التزكيات واعتلاء منصات الخطابة وتوزيع الوعود والحلول، بعيدا عن كوربين وأفكاره..

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي