حداثة " touche pas a ma bière"

02 سبتمبر 2016 - 11:13

عشر سنوات، ما بين تشكيل حكومة اليوسفي في 1998 وتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة في 2008، كانت كافية لإحداث فرز سوسيو- ثقافي وسياسي، هو الموجِّه، اليوم، لأبرز التقاطبات القائمة بالمغرب. قطباه السياسيان هما الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية.
هذا الفرز تكرّس بفعل سيرورتين أساسيتين: الأولى، بانخراط المكون اليساري في نقاش العدالة الانتقالية، عقب تأسيس المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف في 1999، وهي سيرورة لعب فيها فؤاد عالي الهمة دورا كبيرا.
الثانية، تعززت مع الجدل الذي صاحب مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية سنة 2000، ولعب فيها حزب العدالة والتنمية دورا سلبيا في قبر “خطة” تنموية متكاملة، لم يكن الحزب راضيا فيها عن الشق المتعلق بالأحوال الشخصية، أي الشق الذي سيعود، طوعا أو كُرها، إلى قبوله بعدما قدمته اللجنة الملكية الاستشارية لمراجعة مدونة الأسرة برئاسة امحمد بوستة، وليس حكومة يسارية.
خلال هذه العشرية، طالب عدد من اليساريين والليبراليين بتشكيل كتلة حداثية على أنقاض الكتلة الديمقراطية، التي استنفذت شروط وجودها- بحسبهم- وكأن المغرب استكمل بناء أسس الدولة الديمقراطية. جزء من هؤلاء هم الذين سيطالبون بحل حزب العدالة والتنمية عقب تفجيرات 16 ماي الإرهابية.
لقد اعتبر هؤلاء “الحداثيون” أن بينهم وبين الإسلاميين، تناقضا رئيسيا- تناحريا، يعلو على كل ما سواه من تناقضات، وأنه للقضاء عليهم يجوز، بل يجب التحالف مع “سلطة حداثية” حتى وإن لم تكن ديمقراطية.
ورغم أن حَراك الشارع في 2011 أكد أن حاجة المغاربة إلى العدالة والديمقراطية تفوق حاجتهم إلى الحرية. ورغم أن تجربة حكومة العدالة والتنمية أثبتت أن لا خوف على سقف الحريات الذي تضعه المؤسسة الملكية وتضطلع بحمايته من الطامحين إلى توسيعه والراغبين في تضييقه. ورغم أن الملاحظة أثبتت أن الإسلاميين يتطورون وينفتحون بمحاورتهم وليس بمقاطعتهم… فإن خصومهم “الحداثيين” – أستثني طبعا أحزاب ومثقفي اليسار الديمقراطي- لا يتوقفون عن استعمال كل ما من شأنه أن يوقف زحفهم. وهذا بقدر ما يضر بالديمقراطية، ينفع الإسلاميين ويزيد من قوتهم، خصوصا عندما يكتشف المواطن البسيط أن الأحزاب التي جاءته بمشروع “حديث” تستعمل أساليب قديمة للوصول إلى السلطة.
إن مواجهة المشروع الإسلامي، لن تنجح بمحاربة الإسلاميين، فيما يشبه مطاردة الساحرات، بل ببناء فعل ديمقراطي شعبي عقلاني، يعتبر أن الطريق إلى الحداثة تمر بالضرورة عبر بوابة الديمقراطية والعدالة، ويعيد الاعتبار للفعل الثقافي التنويري الذي يفشل الإسلاميون إلى حدود الآن في اقتحامه، وهذا لن يتأتى إلا لأحزاب يسارية تتملك استقلالية قرارها السياسي، وتتمثل شعاراتها الديمقراطية والحداثية، وليس لنخب تختزل أسئلة الحداثة في شعار: “touche pas a ma bière”. نخب تشبه مغني الراي الشاب خالد الذي قال إنه يدعم حملة بوتفليقة الانتخابية فقط، لكي يضمن شرب كأس ويسكي دون خوف من الإسلاميين.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عبد اللطيف منذ 5 سنوات

وهل حد طموح المغاربة ينتهي عند حدود انتصار الاسلاميين او العلمانيين او الحداثيين او ... واعتلائهم عرش المسؤولية , والتصاقهم بكراسي البرلما ن ؟, الشعب ينتظر تغيير الاوضاع بصفة شاملة والسير قدما نحو التطور الحضاري , وليس تغيير الانتماءات السياسية , ومناصب السطو على المال العام , هذه الجوقة التي تتحرك على الساحة , بجميع تلاوينها , خبرها المغالابة , ويئسوا من اي خير يمكن ان يكونوا هم اهله , بحكم التجارب السابقة .

حي ضمير منذ 5 سنوات

بوابة الديمقراطية والعدالة هي بوابة اقتحام العدالة والتنمية؛ لأن هذا الحزب هو الأفضل ديمقراطيا وعدالة وحتى حداثة

التالي